أشترك في النشرة البريدية
ضع بريدك الألكتروني هنا
: ما رأيك في الموقع الجديد ؟
ما رأيك في الموقع الجديد ؟
هل يمكن للديموقراطية التوافقية أن تنجح في العالم الثالث؟ | مقـــالات | الرئيسية

هل يمكن للديموقراطية التوافقية أن تنجح في العالم الثالث؟

حجم الخط: Decrease font/a> Enlarge font
image

شاكر الأنباري

ولد مؤلف هذا الكتاب آرنت ليبهارت عام 1937 في هولندا، ورغم ولادته في ذلك البلد فإنه صرف معظم حياته العملية في الولايات المتحدة الأميركية، وأصبح مواطناً أميركياً، وهو يحمل الجنسيتين الأميركية والهولندية. تخصّص ليبهارت في السياسات المقارنة، وآخر بحث له تركز على دراسة مقارنة للمعاهد الديموقراطية. ألّف وحرر عشرات الكتب، بما فيها كتابه المهم هذا، "الديموقراطية التوافقية في مجتمع متعدّد". ومن كتبه المهمة كتابه المعنون "تقاسم السلطة في جنوب إفريقيا"، كان ألفه سنة 1985. ومن كتبه اللافتة أيضاً "نماذج الديموقراطية: أشكال الحكومات وأداؤها في 36 دولة"، وفرغ من تأليفه عام 1999. ولليبهارت باع طويل في الدراسات المختصة بالعلوم السياسية، والسياسات المقارنة، والانتخابات، وأنظمة التصويت، والمعاهد الديموقراطية، والإثنيات. حصل آرنت ليبهارت على كثير من الجوائز تقديراً لبحوثه اللافتة في مجال السياسات المعاصرة. وانتخب عام 1989 عضواً في الأكاديمية الوطنية للعلوم والفنون، وترأس بين العامين 1995 و1996 الجمعية الأميركية للعلوم السياسية. حاضر في معاهد وجامعات كثيرة، منها جامعة يال وجامعة كاليفورنيا. وتعتبر نظرية تقاسم السلطة واحدة من إبداعات ليبهارت التي أغنى فيها عالم السياسة، خصوصاً وقد جاءت عبر دراسة تطبيقية للواقع السياسي في جنوب إفريقيا. وهو في كتابه هذا: "الديموقراطية التوافقية في مجتمع متعدد"، ينظر الى الواقع كما هو، ويبحث في ذلك الواقع بشكل بسيط ومفهوم، بعيداً عن التجريدات الأكاديمية. إذ من خلال بحثه الموسع عن الديموقراطية التوافقية ووجوهها العديدة، ومناقشة آراء باحثين آخرين، اعتمد على تشريح عميق ودقيق لمجتمعات بعينها، وضمن تجارب حدثت ضمن فترات زمنية محددة، واستطاع عبر ذلك التشريح بناء ما يشبه النظرية حول هذا النمط من الديموقراطيات. نشأت أولى مساعي بناء الديموقراطية التوافقية في بلدان أوروبية غربية، منها بلجيكا وهولندا وسويسرا والنمسا. لم تصدر هذه المساعي عن أي نظرية مسبقة، بل كانت وليدة حاجات عملية في مجتمعات منقسمة، أي غير متجانسة من الناحية القومية أو الدينية. 

جاءت نظرية التوافقية، مثل النظريات عن القومية، بعد التجربة وليس قبلها. واكتسبت هذه النظرية شكلها الملموس على يد مفكرين سياسيين بارزين منهم آرنت ليبهارت وغيرهارد لمبروخ وغابرييل ألموند، ودارسون كثر اعتنوا بهذه التجربة. من هنا فمصطلح الديموقراطية مصطلح نسبي، إذ ليس هناك نموذج واحد للديموقراطية، بل يعتمد الأمر على عامل الزمن والبلد ومستوى التطور الاقتصادي ومقدار الانشطارات الفئوية في المجتمع. الديموقراطية عملية تفاعلية، وليست وصفة جاهزة. فما الفرق إذن بين الديموقراطية، بمعناها التقليدي، والديموقراطية التوافقية؟ تقوم فكرة الديموقراطية، سواء في سياق تحققها التاريخي، أو في الخلاصات الفكرية لها، على المبادئ التي حدّدها جون لوك ومونتسكيو، أي الحكم بالرضى عبر الانتخابات، وحكم الأكثرية أو الأغلبية الفائز بأكبر عدد من الأصوات، وتقسيم السلطات. وثمة ملاحق لهذا النظام منها حقوق الإنسان والحقوق المدنية للفرد وحقوق المرأة والقانون الدولي..الخ. لقد اصطلح على نظرية لوك ـ مونتسكيو بمفهوم الحكم الأغلبي. ونشأت هذه النظرية الكلاسيكية من تلخيص تجربة الديموقراطيات المبكرة كما في انكلترا وفرنسا وأميركا، خلال القرنين الثامن والتاسع عشر. ولدت الديموقراطيات تلك في بلدان متجانسة قومياً بصورة ما، وهو تجانس لا يقسمها الى أقليات وأكثريات دينية أو إثنية أو ثقافية. لكن مبدأ الأغلبية والأقلية السياسي سيتحول في المجتمعات المنقسمة إثنياً أو طائفياً، وبنسب متفاوتة، الى أغلبية وأقلية قومية أو طائفية مما يخلق استبداد الأكثرية. ولهذا حاول الممارسون السياسيون إيجاد حل لهذه المعضلة في اتجاهين: الأول استخدام الفيدرالية أو مناطق الحكم الذاتي لضمان حقوق الأقليات، وهو استلهام للتجربة الفيدرالية الأميركية ـ الألمانية، التي برزت بدافع الحد من غلواء سلطة المركز، وذلك بتقسيم السلطات على أساس جغرافي، بين مركز وأطراف. أو استلهام الاتجاه الثاني وهو التجربة التوافقية التي نشأت عملياً بعد الحرب العالمية الثانية، اعترافاً بقصور النظام الديموقراطي الأكثري المألوف، البريطاني على سبيل المثال. وعليه، فإن الديموقراطية التوافقية انطلقت من قاعدة ديموقراطية راسخة وليس ناشئة.

يتميز النظام التوافقي عن النظام الديموقراطي الأكثري، بأربعة عناصر أساسية، بحسب آرنت ليبهارت، وهي: حكومة ائتلاف أو تحالف واسعة تشمل حزب الغالبية وسواه، ومبدأ التمثيل النسبي في الوزارات والمؤسسات والإدارات والانتخابات أساساً، وحق الفيتو المتبادل للأكثريات والأقليات على حد سواء، لمنع احتكار السلطة والإدارة الذاتية للشؤون الخاصة لكل جماعة. إن نظرية التوافق أوروبية المنشأ، رغم أنها اغتنت لاحقاً من تجارب عالمثالثية، وهي بالمحصلة خروج على الإجماع النمطي الذي يمثله النظام الأكثري، الأميركي، البريطاني، الفرنسي. ومن البديهيات المعروفة في عالم السياسة أن التجانس الاجتماعي والإجماع السياسي يُعتَبَران شرطين مسبقين للديموقراطية المستقرة، أو عاملين يؤديان بقوة إليها. وبالعكس، فإن الانقسامات الاجتماعية العميقة والاختلافات السياسية داخل المجتمعات التعددية تتحمل تبعة عدم الاستقرار والانهيار في الديموقراطيات. والديموقراطية التوافقية نموذج تجريبي ومعياري في الوقت نفسه، فهي تستخدم بمثابة تفسير للاستقرار السياسي في عدد من الديموقراطيات الأوروبية الصغرى، مثل النمسا وبلجيكا وهولندا وسويسرا. بلغت تلك البلدان ذروة انقساماتها التعددية الحادة وتعاون نخبها الوثيق أواخر الخمسينات وراحت تتراجع، لا جرّاء إخفاق الديموقراطية التوافقية، بل لأن نجاح التوافقية نفسه جعلها نافلة. إن التوافقية وإن لم تكن سوى مرحلة عابرة في تطور هذه البلدان الأوروبية الأربعة، فهي ليست مجرد ظاهرة تستحق الانتباه لأهميتها التاريخية فحسب، بل وعلى الصعيد العالمي. وقد قدمت أمثلة ملموسة لقدرة الديموقراطية التوافقية على أن تكون نظاماً مستقراً وفعالاً للحكم في المجتمعات التعددية. والمعروف أن المجتمع المتعدد هو المجتمع المقسم وفقاً لما يطلق عليه الانقسامات القطاعية. والانقسامات القطاعية يمكن أن تكون ذات طبيعة دينية، أيديولوجية، لغوية، إقليمية، ثقافية، عرقية، أو إثنية. إن هدف الديموقراطيات عموماً هو الوصول بالمجتمعات الى الاستقرار، وأبرز سمات النظام الديموقراطي المستقرّ هي أنه يتمتع باحتمالات عالية لأن يبقى ديموقراطياً، وأنه ينطوي على مستوى منخفض من العنف المدني الفعلي والمحتمل. والديموقراطية التوافقية هي استراتيجية في إدارة النزاعات من خلال التعاون والوفاق بين مختلف النخب، بدلاً من التنافس واتخاذ القرارات بالأكثرية. الدول التي استقلّت حديثاً، في معظم القارات، بحاجة ماسة الى هذا النمط من الديموقراطيات، كونها ورثت انقسامات مجتمعية هائلة، لا بسبب الاستعمار فقط، إنما تحدّرت تلك الانقسامات بفعل عوامل تاريخية قديمة وفاعلة.

ويستمد النمط التوافقي من الديموقراطية أهميته كنموذج عملي ملموس من المساهمات التي يقدمها لفهم الديموقراطيات الغربية. وهناك مفاهيم ذات صلة تعمق فهم وتحليل الديموقراطية التوافقية منها العضويات المتداخلة والمتشابكة والأنظمة الحزبية وفصل السلطات والتنمية السياسية. ويجب أن نفسر الاستقرار السياسي في الديموقراطيات التوافقية اعتماداً على علاقتها بعامل إضافي هو تعاون زعماء الجماعات المختلفة الذي يتخطى الانقسامات القطاعية أو الثقافية الفرعية على مستوى الجماهير، بدلاً من حشر علاقتها بمتغير تفسيري آخر هو الثقافة السياسية. ولهذا السبب كانت تجربة الديموقراطيات التوافقية الأوروبية على قدر من الأهمية بالنسبة الى المجتمعات التعدّدية في العالم الثالث: فهي مجتمعات مستقرة لا لأن مجتمعاتها تعددية بصورة ملطفة، بل على الرغم من الانقسامات القطاعية العميقة في مجتمعاتها. لقد كانت السمة البارزة من سمات السياسة غير الأوروبية هي انهيار الديموقراطية، في فترات قصيرة عَقِبَ تحررها من الاستعمار. فبعد التفاؤل الأولي في الآفاق الديموقراطية للبلدان الحديثة الاستقلال، والمستند في معظمه الى الطموحات الديموقراطية التي أعرب عنها قادتها السياسيون، حل مزاج من الخيبة، ونَحَت أغلب تلك الأنظمة الى حكم توتاليتاري مزعج. وثمة، في رأي العديد من المراقبين صلة مباشرة بين السمتين الأساسيتين للسياسة غير الغربية، المجتمع التعددي عاجز عن الحفاظ على الحكم الديموقراطي. وحدة تلك الدول كانت تصان بوسائل غير ديموقراطية من قبل السيطرة الاستعمارية. إذ لا يمكن للرأي العام الموحد الضروري لعمل الحكم البرلماني أن يوجد في صفوف أناس لا تربطهم رابطة شعور الزمالة، ولا سيما إذا كانوا يقرأون وينطقون بلغات مختلفة. يعاني الكثير من الدول النامية، لا سيما الآسيوية والإفريقية منها، كلبنان وبوراندي وماليزيا والعراق وأندونيسيا ونيجيريا، وأيضاً الأميركية الجنوبية، كغويانا وسورينام وترينيداد، من مشاكل سياسية ناجمة عن الانقسامات العميقة بين قطاعات من سكانها، وغياب الإجماع الموحّد لها. وتتعامل الأدبيات النظرية حول التنمية السياسية، وبناء الأمة، والتحول الديموقراطي في الدول الجديدة مع هذا الواقع بطريقة ملتبسة لافتة. إن صعوبة تحقيق الحكم الديموقراطي المستقرّ، وصونه في المجتمع التعددي، قضية ثابتة في العلم السياسي. هذا رغم اختلاف التعريفات حول المجتمع التعدّدي، فالبعض يعتبر أن المجتمع التعددي هو المجتمع الذي تعيش ضمنه مختلف قطاعات المجتمع جنباً الى جنب، ولكن بانفصال، داخل الوحدة السياسية الواحدة. والبعض يعتبر المجتمع التعددي كل مجتمع تختلط فيه الشعوب جغرافياً، لكنّها تتنافر اجتماعياً، والتنافر الاجتماعي له علاقة بلغة أو دين أو قومية. ويظل مفهوم المجتمع التعددي مفهوماً واسعاً جداً ويتضمن الكثير، خصوصاً في إطار التنوع الكبير الذي يحكم بلدان العالم أجمع. السمة الأساسية للديموقراطية التوافقية هي أن الزعماء السياسيين لكل قطاعات المجتمع التعددي يتعاونون في ائتلاف واسع لحكم البلد. وتقدم سويسرا والنمسا أفضل مثلين على الائتلاف الواسع في شكله الأمثل. ليس لزاماً على الائتلاف الواسع أن يتخذ صورة الحكومة في الأنظمة البرلمانية. وهذا لا يعني أن كافة الترتيبات المؤسساتية الرسمية تسمح بتشكيل ائتلافات واسعة بالسهولة نفسها. لذلك ينبغي أن نتفحص اثنين من التصنيفات التقليدية للأنظمة الديموقراطية في هذا السياق: الأنظمة البرلمانية والأنظمة الرئاسية، الجمهوريات والأنظمة الملكية. لما كان النظام الرئاسي يستتبع غلبة قائد وحيد فهو أقل ملاءمة للحكم التوافقي من النظام البرلماني ذي الحكومة الجماعية التي يمكن أن تتمثل فيها كافة القطاعات. غير أن النظام الرئاسي والنظام التوافقي ليسا متنافيين تماماً. ومن الحلول الممكنة الأخرى القيام بترتيب ترتبط فيه الرئاسة بعدد من المناصب التنفيذية العليا كرئاسة الوزارة ونائب رئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب. ويمكن لهذه مجتمعة أن تصبح ائتلافاً واسعاً كما هي الحال في لبنان. وعلى الرغم من تركيز السلطة في يدي شخص واحد يمثل عقبة في وجه اطلاق ائتلاف واسع، فإن ثمة سمة أخرى من سمات الحكومة الرئاسية ربما أثّرت تأثيراً ايجابياً، ألا وهي فصل السلطات. تمتلك ثلاث من الديموقراطيات التوافقية الأوروبية، هي النمسا وهولندا وبلجيكا، ترتيبات برلمانية منتظمة تعتمد فيها الحكومة على ثقة البرلمان ويمكن للبرلمان أن يعزلها. أما سويسرا فتقرن فصل السلطات بمجلس رئاسي: فالمجلس السباعي الفيدرالي ينتخب من قبل البرلمان لمدة أربع سنوات، ولا يمكن بعد الانتخاب إجبار أعضاء المجلس على الاستقالة. والأرجح أنه كان لفصل السلطات هذا تأثير ايجابي في تطور الحكم التوافقي في سويسرا واستمراره. إن كون البلد ذا نمط حكم جمهوري أو ملكي يؤثر أيضاً في إمكانيات قيام ائتلاف واسع. وأهم أوجه الملكية في مجتمع تعدّدي هو الدرجة التي تشكل فيها رمزاً للوحدة الوطنية وتعمل بذلك كقوة مقابلة للتأثيرات اللامركزية التي تمارسها الانقسامات القطاعية. والوظيفة الهامة الثانية هي أنها تستطيع توفير رئيس محايد للدولة وتجنيب البلد ضرورة العثور على مرشح واسع القبول لهذا المنصب، وهي مشكلة تشابه صعوبة العثور على رئيس غير منتمٍ الى أي حزب في نظام رئاسي. 

لقد سبق القول إن طريقة الحكم التوافقي، أي الائتلاف الواسع والفيتو المتبادل والنسبية والاستقلال القطاعي، تستجرّ انحرافات عن حكم الأكثرية الخالص، ويمثل الفيتو المتبادل ضمانة للأقلية مع أنها ليست ضمانة مطلقة أو خالية من العيوب. ينبغي للقرارات أن تتخذ في الائتلافات الواسعة، وعندما تتخذ هذه القرارات عبر أكثرية الأصوات، فإن تمثيل الأقلية يمنحها فرصة لتقديم اقتراحاتها بأقصى ما يمكن من قوة لشركائها في الائتلاف، لكنها قد تهزم أمام الأكثرية. وعندما تؤثر قرارات كهذه في المصالح الحيوية لقطاع أقلّي، فإن هذه الهزيمة تعتبر غير مقبولة وتعرض التعاون بين النخب القطاعية للخطر. ولذلك، فلا بد من إضافة فيتو الأقلية الى مبدأ الائتلاف الواسع، ولا يمكن لغير هذا الفيتو أن يمنح كل قطاع ضمانة كاملة للحماية السياسية. الخطر الكبير الذي يشكّله فيتو الأقلية هو أنه سوف يؤدي الى استبداد الأقلية. لكن هذا الخطر لا يعتبر جدياً تماماً كون الفيتو هو فيتو متبادل، تستطيع كافة القطاعات الأقلية أن تستعمله. وإن مجرد كون الفيتو متاحاً كسلاح ممكن، يمنح شعوراً بالأمان، يجعل استخدامه مستبعداً. إن إعطاء كل مصلحة، أو قطاع، قوة الحماية الذاتية، يحول دون نشوء أي صراع أو نزاع بينها على الغلبة. وسوف يعترف كل قطاع بخطر الطريق المسدود والجمود اللذين يترتبان على الاستعمال غير المحدود للفيتو. يمثل مبدأ النسبية أيضاً انحرافاً هاماً عن حكم الأكثرية. تقوم النسبية بوظيفتين هامتين. الأولى، إنها طريقة في توزيع التعيينات في الإدارات الهامة العامة والموارد المالية على مختلف القطاعات. والنسبية كونها معياراً محايداً وغير منحاز للتوزيع، تزيل عدداً كبيراً من المشاكل المسبّبة للانقسامات في عملية صنع القرارات، وتخفف بذلك من أعباء الحكم التوافقي. غير أن النسبية تضيف إرهافاً لمفهوم الائتلاف الواسع: لا يكفي أن تكون كافة القطاعات الهامة ممثلة في أجهزة صنع القرار، بل يجب أن تكون ممثلة بصورة نسبية. 

الإنحراف الأخير عن حكم الأكثرية هو الاستقلال القطاعي، الذي يستتبع حكم الأقلية لنفسها في المنطقة التي تعني هذه الأقلية حصراً. إنها اللازمة المنطقية لمبدأ الائتلاف الواسع. ففي كافة الشؤون التي تعني الجميع، ينبغي للقرارات أن تتخذ من قبل كل القطاعات معاً، وبدرجات متساوية تقريباً من النفوذ. أما في باقي الشؤون فيمكن للقرارات ولتنفيذها أن يُوكلا لقطاعات مختلفة. إن تفويض سلطات صناعة الحكم وتنفيذه الى القطاعات، مقروناً بالتوزيع النسبي للأموال الحكومية على كل قطاع، يشكل حافزاً قوياً لمختلف المنظمات القطاعية. فمن أوجه تعريف المجتمع التعدّدي أن المنظمات التمثيلية للمجتمع تتبع الانقسامات القطاعية. معنى هذا أن الاستقلال القطاعي يزيد من الطبيعة التعددية لمجتمع تعددي أصلاً. وثمة شكل خاص من أشكال الاستقلال القطاعي وهو الفيدرالية، مع أن الفيدرالية يمكن أن تطبق أيضاً في مجتمعات غير تعددية. نظرياً ثمة شبه بين الفيدرالية والنظرية التوافقية، لا تقتصر أوجه الشبه على منح استقلال ذاتي للعناصر المكونة للدولة، وهي أهم سمة من سماتها، بل تتعداها الى المبالغة في تمثيل الأقسام الصغرى في المجلس (الفيدرالي). لذلك كله يمكن اعتبار النظرية الفيدرالية نمطاً محدوداً، وخاصاً، من النظرية التوافقية. وبالمثل، يمكن استعمال الفيدرالية كطريقة توافقية عندما يكون المجتمع التعدّدي (مجتمعاً فيدرالياً): أي مجتمعاً يتركز فيه كل قطاع في إقليم محدد، منفصل عن بقية القطاعات. مجتمع تتطابق فيه الانقسامات القطاعية مع الانقسامات الإقليمية. ونظراً الى كون الحكم على المستوى المحلّي منظماً بصورة عملية على أسس إقليمية دائماً، فإن الفيدرالية تشكل طريقة جذابة لتطبيق فكرة الاستقلال القطاعي. ولعبت الفيدرالية الإقليمية وغير الإقليمية، في الديموقراطيات التوافقية الأوروبية، دوراً لا يستهان به. بعض المفكرين يحذّر من خطر الفيدرالية الواسعة باعتبار أنها ربما تقود الى تفكيك الدولة. إن قيام قطاعات متمايزة إقليمياً، إذا ما اقترن بما تمنحه الفيدرالية من استقلال ذاتي جزئي، ربما أتاح اندفاعاً إضافياً للمطالبة بمزيد من الاستقلال الذاتي. وعندما ترفض هذه المطالبات فقد يعقب ذلك الانفصال ثم الحرب الأهلية أو العكس. ومن الردود الممكنة على حجّةٍ مثل تلك هو أن الفيتو المتبادل، أو التهديد به، يمكن أن يكون موضع إصرار متكرر من قبل أحد القطاعات بغية انتزاع تنازلات استثنائية من الآخرين. ويمكن لإساءة استعمال الفيتو هذه أن تستثير النزاع العنيف. ومن ذلك أيضاً إصرار قطاع معين على تغيير النسبة الى المبالغة في التمثيل لصالحه، بالرغم من أن الظروف الموضوعية لا تبرّر ذلك. لكن من الصعب التصور أن النظام الديموقراطي الموحّد، والمركزي، سيتمكن من الحؤول دون الانفصال، إذا كانت العناصر الأساسية للشعور الانفصالي قوية. 

ثمة ثلاثة أنواع من الحلول لمعالجة المشاكل السياسية في مجتمع تعددي، مع الحفاظ على طبيعته الديموقراطية. أولها، إزالة الطابع التعددي للمجتمع، أو تقليصه بصورة جوهرية عبر الاستيعاب، وهي طريقة ذات احتمالات ضئيلة في النجاح، على المدى القصير خصوصاً. ثانيها، الحل التوافقي الذي يقبل بالانقسامات التعددية باعتبارها لبنات البناء الأساسية لنظام ديموقراطي مستقل. فإذا كان الحل الثاني بعيد المنال، أو إذا كان قد جُرِّب ثم أخفق، فإن الحل المنطقي الوحيد الباقي هو تقليص التعدد عبر تقسيم الدولة الى دولتين منفصلتين متجانستين أو أكثر. ومسألة تكاليف التقسيم وإعادة التوطين، لا من حيث الموارد المادية فحسب، بل ومن حيث ما تنطوي عليه من معاناة إنسانية، إنما هي مسألة نسبية ينبغي أن تقاس مقابل المكاسب. التقسيم يستحق النظر فيه باعتباره إمكانية جدية، وهو جدير بنظرة منصفة. الديموقراطية التوافقية ليست نظرية مثالية لإرساء الاستقرار، فلها مساوئها أيضاً. مساوئها في بلد معين ربما تختلف عن مساوئها في بلد آخر. وهذا ما يضفي الحيوية على تطبيقاتها. وقد انتقدت كثيراً لأنها ليست على درجة كافية من الديموقراطية، ولأنها لا تتمتع بالقدرة الكافية على تحقيق حكومة مستقرة وفعالة. فحكومة الائتلاف الواسع تستلزم حتماً إما معارضة صغيرة وضعيفة أو غياب أي معارضة رسمية في المجلس التشريعي. ونحن نعرف أن المعارضة هي مُكَوّن جوهري في الديموقراطيات الراسخة مثل بريطانيا. لكن على أي حال تبدو الديموقراطية التوافقية أفضل أنواع الديموقراطية التي يمكن أن يتوقع تحقيقها بصورة واقعية. ولن يكون من الديموقراطية في شيء استبعاد القطاع أو القطاعات الأقلية بصورة دائمة من المشاركة في الحكم. كما أن الائتلاف الواسع لا ينفي إمكانية قيام معارضة نفياً كلياً. فطالما أن ثمة برلماناً أو هيئة أخرى يعتبر الائتلاف الواسع مسؤولاً أمامها، فإن الانتقادات التي يدلي بها مؤيدو الأحزاب الأخرى يمكن أن توجه لا الى الائتلاف كله فحسب، بل يمكن أن توجه أكثر الى أعضاء محددين في الائتلاف. 

المجموعة الأخرى من الانتقادات هي أن النموذج التوافقي يقصر عن الثالوث الديموقراطي المتمثل في الحرية، والمساواة، والأخوة. فالقطاع الذي ينتمي إليه الفرد قد يقف حائلاً بينه وبين المجتمع الوطني والحكومة، وقد يكون القطاع متجانساً بصورة قاهرة. فالنموذج التوافقي يشبه المجتمع الطائفي، الذي تكون فيه الجماعات الوسيطة (جامعة) بمعنى أنها تميل الى احتواء كافة أوجه حياة أفرادها. وربما كان لمجتمع شديد التجانس والامتثالية نفس التأثير الكابت لحرية الأفراد. وليس في الأمر أي مفارقة: فالديموقراطية التوافقية تفضي الى تقسيم المجتمع التعددي الى عناصر أكثر تجانساً واستقلالية. الديموقراطية التوافقية معنية بالمعاملة المتساوية أو النسبية للجماعات أكثر من المساواة بين الأفراد. فالانعزال والاستقلال القطاعيان قد يكونان عقبات في وجه تحقيق المساواة في المجتمع ككل. إن ذلك التفاوتات الإقليمية تميل أن تكون أكبر في الديموقراطيات الفيدرالية التنظيم مما هي عليه في الديموقراطيات الوحدوية، كما أنها أكبر بين الدول ذات السيادة مما هي داخل الدول الفيدرالية. والاعتراض الأخير على الصفة الديموقراطية للديموقراطية التوافقية هي أنها تستلزم سيادة النخبة المنظمة، كما تستلزم، بالمقابل، دوراً امتثالياً لكافة الجماعات غير النخبة. وتقع على عاتق زعماء القطاعات المهمة العسيرة المتمثلة في القيام بالتسويات السياسية مع زعماء بقية القطاعات وتقديم التنازلات لهم، والحفاظ على ثقة قواعدهم. لذلك يكون من المفيد أن يمتلكوا سلطة مستقلة كبيرة وموقعاً آمناً في القيادة. كما أنها تخضع لاحتمال عجزها عن إحلال الاستقرار السياسي والحفاظ عليه. فمن الممكن أن تفضي الى التردد وعدم الفعالية: الحكم بواسطة الائتلاف الواسع يعني أن عملية صنع القرارات ستكون بطيئة.

الفيتو المتبادل ينطوي على خطر إضافي يتمثل في تجميد صنع القرارات كلياً. النسبية كمعيار لتوظيف العاملين في الإدارات الحكومية يستتبع أولوية للعضوية في قطاع محدد أعلى من الأولوية التي يوليها للكفاءة الفردية، وقد تكون على حساب الفعالية الإدارية. الاستقلال القطاعي سيصبح مكلفاً. فبقدر ما يتطلب تعدد الوحدات الحكومية والإدارية، إضافة الى إنشاء عدد كبير من المنشآت الخاصة لمختلف القطاعات، فهو يجعل الديموقراطية التوافقية نمطاً مكلفاً من الحكم. هنا لا بد من التمييز بين الفعالية القصيرة الأمد والطويلة الأمد، في ما يتعلق بالمسألة التوافقية.

وعلى المدى القصير ربما كان النظام الخصومي (الأكثري) أسرع حسماً وفعالية في مجتمع تعددي من الديموقراطية التوافقية. غير أن الثمن الذي ربما تَرتّب على النتيجة المؤاتية هو تزايد العداوة والارتياب عند تلك القطاعات التي حرمت من المشاركة في الحكم. لذلك ربما تؤدي الفعالية القصيرة الأمد الى الانهيار على المدى الطويل. وبالعكس، فإن الديموقراطية التوافقية قد تبدو بطيئة وثقيلة على المدى القصير، غير أن لها حظوظها الكبيرة في إنتاج قرارات فعالة مع مرور الزمن. ولا سيّما إذا تعلّم القادة تطبيق الفيتو المتبادل باعتدال.

أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات ( تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع