أشترك في النشرة البريدية
ضع بريدك الألكتروني هنا
: ما رأيك في الموقع الجديد ؟
ما رأيك في الموقع الجديد ؟
القِيَم الكُلِيَّة - مقدمة لمحاولة اقتراب | مقـــالات | الرئيسية

القِيَم الكُلِيَّة - مقدمة لمحاولة اقتراب

حجم الخط: Decrease font/a> Enlarge font
image

عبد العزيز المنصوب
نعم لكل أمة هُوية جامعة (1 / 2 ) ؛ لكن لاشك في أن تُمايز بينها فوارق(3) هُوية وخصوصيات يمكن أن تتعدد وتتمايز وتتفاوت ، ولكنها بالضرورة لا يلزم أن تتناقض ؛ فالدِيّن   مثلاً  كقيمة أخلاقية محل أتفاق على أنها لازمة من لوازم هُوية المسلم "الصلبة" ؛ غير أن الكاتب قد لا ينظر إليها من حيث ينظر إليها القارئ ؛ فهي قد تكون بالنسبة للكاتب لاحقة للعقل ؛ في حين قد تكون بالنسبة للقارئ سابقة للعقل – وهذا مثار ومحل اهتمام الفلاسفة واشتغال الفلسفة منذ زمن بعيد  ، حيث فيها يرى فريق منهم أن العقل مقدم على النقل (الوحي) من حيث يرون أن إدارة الدنيا هي محل اشتغال إرادة الإنسان (وفي الوقت نفسه يرون أن الإنسان بطبعه ميال ونزاع إلى الخير ) ، وفي حين يرى الفريق الثاني أن النقل (الوحي )  مقدم على العقل فهم يرون العكس ، حيث يقولون : بأن إرادة الإنسان محل اشتغال إدارة الدنيا (وتبعاً لذلك يرون أن الإنسان بطبعه ميال ونزاع إلى الشر )- ما يستدعي بالضرورة الإجابة على مجموعة من الأسئلة النسقية الموضوعية - في مسار تجسيم ورسم الهُوية  – و لمعرفة ما إذا كان الدِيّن   كقيمة أخلاقية سابق أم لاحق للعقل(4) ، بقصدٍ مشروط - قبل الإجابة وأثناءها وبعدها - بتحديد ما إذا كان الإنسان بطبعه ميال ونزاع إلى الخير أم إلى الشر ؟ وما إذا كانت إرادته محل شَغل أم اشّْتِغَال الدنيا ؟ أي هل هي في محل فاعل كما هي عند الفريق الأول ؟ أم أنها في محل مفعول ؟ كما هي عند الفريق الثاني - وبالتالي تنفي أو تثبت نتيجتها ما إذا كان ((كل ما حكم به العقل صدقه النقل )) أو العكس ؛ حيث يحتج الفريق الأول بمجموعة من الإجابات التي نراها منطقية في الرد على الفريق الثاني ، أولها : من في الوجود أولاً ؛ العقل أم النقل ؟! وهل يصح أن يُستدل على صحة العقل بالنقل ؟ أم أن العكس هو الصحيح !؟ ومن هو الأصل ؛ العقل أم النقل ؟ .
        - وللفخر الرازي نقاش في هذه المسألة ؛ حيث يقول " إعلم أنّ الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء ، ثم وجدنا أدلة "نقليه" يدل ظاهرها بخلافها ، فهناك لا يخلو الحال من أحد أربعة أمور:

1) إمّا أن يصدق مقتضى العقل والنقل ، فيُلزم تصديق النقيضين وهو مُحال .

2)  وإمّا أن نبطلهما ، فيُلزم تكذيب النقيضين ، وهو مُحال .

3)  وإمّا أن تكذب الظواهر النقليه ، وتصدق الظواهر العقلية .

4)  وإمّا أن تصدق الظواهر النقليه ، وتكذب الظواهر العقلية، وذلك باطـل .
         - وتوصل الرازي إلى : أنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقليه ، إلا إذا عرفناها بالدلائل العقلية ؛ إثبات الصانع ، وصفاته ، وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول – صلى الله عليه وسلم – وظهور المعجزات على يد محمد r ، ولو صار القدح فى الدلائل العقلية ، صار العقل متهمًّا ، غير مقبول القول ، ولو كان كذلك لخرج عن أن يكون مقبول القول في هذه الأصول . وإذا لم تثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقليه عن كونها مفيدة . فثبت أن القدح فى العقل لتصحيح النقل يُفْضي إلى القدح في العقل والنقل معًا ، وأنّه باطل . وإذا أبطلت الأقسام الأربعة ، لم يَبْقَ إلا أن يُقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة(5) .. .
          - وإلى هذا الكلام النفيس للإمام الرازي وغيره ، ممن تحدثوا في جدلية العقل والنقل قديماً ووسيطاً وحديثاً ، نُضيف : ألا يحتج منطق القبول والتسليم مثلاً لوجود ( الله تعالى ) وبالتالي الإيمان بربوبيته وأُلوهيته .. بأدلة الدراية (المدركة بالعقل) قبل أدلة الرواية (الواردة في النقل) ؟! ثم أيهما معمل أو مختبر لصحة وسلامة الثاني ؟ ألا نختبر النقل في العقل ؟ ألم يأتي منطق آي القرءان الكريم مذيلاً بالدعوة إلى تحكيم وإعمال العقل ؟ (ألم يُكَلِف (الله) العقل في تكييف وإنزال النقل على الواقع ) ؛ وذلك من خلال كثير من الألفاظ التي دلت عليه مباشرة وصراحة كـ( أفلا يعقلون ) أو من خلال ألفاظ ومشتقات غير مباشرة كـ(أفلا يبصرون) ؛ وعليه ألا ينطق القرءان الكريم على أن العقل مقدم على النقل ؟
          - ويبقى مما لا شك فيه أن لا تصادم ولا تعارض بين العقل والنقل(6) من حيث أن العقل سليمٌ ابْتِدَاءً والنقل صريحٌ صحيحٌ(7) اقْتِضَاءً ؛ كشرطين لازمين لعدم "التعارض" بين العقل والنقل ، تأسيساً على سلامة "العقل" ، وبناءً على صراحة "النقل" وصحته .
          - غير أن هذه ومثلها الكثير من الأسئلة قد لا تبدو للقارئ ذات أهمية ، أكثر من كونها ساذجة ، وهذه النظرة في حدها الأدنى ذات أهميةبالنسبة للكاتب - من حيث أنها تعبر بحد ذاتها عن فوارق هُوية - ولو كانت فكرية – تنبني على أساسها فوارق تبعية في النظرة إلى (القِيَم ) محل اشّتغال إرادة الإنسان الصالح أو النفس السوية .
          - ومما تعنيه الإجابة على هذه الأسئلة – أكانت سلباً أم إيجاباً - أن ثمة فوارق هُوية تُمايز بين الفرد ونظيره داخل الأسرة الواحدة ، تبعاً لثقافته وانتمائه وقناعاته الفكرية ، ومثلها فوارق تُمايز بين أسرة ونظيرتها في المجتمع الواحد ، وبالتالي قد يتمايز مجتمع ما عن غيره ولو كانا مجتمِعين في أمة واحدة .
          - فالأُمَّة الإسلامية مثلاً تُمايز بينها هُويات وثقافات وقوميات متعددة ، وليس لها هُوية وثقافة سِراطية واحدة - صلبة – يلتقي عيها النص والجغرافيا والإنسان ، وان تَماثَل فيها التاريخ والسلوك ، ولا يعني ذلك تناقض بحال من الأحوال ؛ بقدر ما يعني أن الإسلام وبالتالي المسلم شخصية منسجمة ثرية بُنيوياً ومتكاملة معرفياً – وهي جاهزة ثقافياً للمعانقة الحضارية - ويضل المسلمين من حيث هم ملتزمين أو غير ملتزمين ، متفقين على أن الدِيّن – من حيث هو كل ما تدين به الفطرة لله - يتموضع في الهُوية  الصلبة ، التي لا تقبل التحلل ولا التلبس .. وبالتالي لا يُسمح إليها بالتسلل ، ولو كان ذلك من قبل الأيديولوجيات الإسلامية نفسها ، التي غالباً ما تختزل الكثير من المصطلحات والمفاهيم المحورية لتطوعها في خدمة مشاريعها الفكرية الطرفية .
          - وهذا يقودنا بطبيعة الحال ومنطوق المقال إلى التشديد على ضرورة التوافق حول استحضار ورسم وتجسيم القِيَم  الكُلِيَّة الجذرية (التحتية) المعتبرة في الهُوية الجامعة (للأُمَّة السِّيَاسِيَّة)- والتي ينبغي أن تأخذ في عين الاعتبار فوارق القِيَم  تأسيساً على فوارق الهُوية  –  والتي لا ينبغي أن يتجاوزها أو يعطلها أو يجرح أو يخرم فيها أحد أكان حاكماً أو محكوماً ؛ وأياً كانت سلطته أو مذهبه أو دينه أو أيديولوجيته .. إلخ ؛ ومن هنا فإن نتيجة الإجابة على هذا السؤال الثنائي المتلازم - ما هي القِيَم  "الكُلِيَّة" التَحْتِيّة الجَذْرِيَّة الصَلّبَة المُعْتَبَرة الجامعة ؟ وكيف يمكن التوافق حولها ؟ - . تعد هي تلك الإِسْتِرَاتِيْجِيَّة التحتية الجذرية التي مهمتها ومسؤوليتها التأسيس - وبالتالي تحقيق – للسلم الاجتماعي ، فالتعايش الإِيّجَابِي ؛ من حيث أن الإجابة عليها تنطوي أهمية بالغة قدر رشد وبلوغ الهمم في طريق انطلاقة المشروع الجمعي الحضاري  - بتحريره من القيود الفكرية الخاصة والأيديولوجيات الانفعالية والموتورة - انطلاقاً من المعقولية لتحقيق الغايات السامية ، التي من خلالها تصان وتحفظ الكرامة الجمعية ، وتَضمن انطلاقة المشروع الجمعي ، وتفي بدفع ضريبة الأُمَّة السِّيَاسِيَّة في الوجود - وبالتالي فاعليتها في المشاركة الحضارية - وتُأصل لتنافسيتها العالمية ، وتحفر هُويتها بكنهتها وكينونتها في الوجود المادي والمعنوي .

ــــــــالهامشــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الهُوية  : هي مجموع تلك المكونات الثقافية واللغوية والدِيّنية والتاريخية والاجتماعية - وربما الجغرافية – التي تتميز بها أمة عن غيرها ؛ أو يتمايز بها أو ببعضها مجتمع عن غيره في إطار الهُوية الجامعة للأمة ، وقد تختص بها أُسرة في إطار مجتمع تَمايز عن هُوية الأُمَّة الجامعة ، أو يُعنى بها فردٌ من أسرة في مجتمع ما ؛ وهي بين صلبة ومرنة . وثمة فرق في الفلسفة والقانون بين الهُوية : بضم أولها غير مُعَرَّفة (هُوية) . والهَوية : بفتح أولها غير مُعَرَّفة (هَوية).
(2) الهُوية  الجامعة : غالباً يُعنى بها (الدِيّن واللغة التاريخ المشترك) وربما تُعنى بواحدة منها ؛ والتي تُبحث في علم الاجتماع السياسي ؛ وفيه قد تُأثر وبه قد تتأثر ، إن سلباُ أو إيجاباً .
(3) فوارق الهُوية  : غالباً يُعنى بها الفوارق التي تُمايز بين مكونات الهُوية  الجامعة (وتُبحث في دراسات الإنثروبيلوجيا) ؛ وربما تُبحث فيما يمكن أن نسميه علم الاجتماع الاجتماعي ؛ وفيه قد تُأثر وبه قد تتأثر ، إن سلباُ أو إيجاباً ، في شكل نتائج أو توصيات .
 (4) يُقصد بالعقل في الثقافة الإسلامية – شفهياً وكتابياً – (الفطرة ) وفي الثقافة الغربية يُقصد به غالباً – شفهياً وكتابياً – (الضمير) ولا فرق من حيث القصد ، غير أن "الفطرة" الاصطلاح الأنسب لاعتبارات منها اصطلاحية وفلسفية ليس مبحثها هنا ؛ أعلاها من حيث هي التي فطر الله الناس عليها .
(5) انظر: أساس التقديس ؛ للفخر الرازي  . صـ 220 ، 221. تحقيق : السّقّا ، د. أحمد حجازي . ط 1406هـ / 1986م. مكتبة الكليات الأزهرية – القاهرة .
(6)غير أن الغرب – نتيجة لما طرأ على الدِيّن من تحريف اِبْتِدَاءً ؛ ترتب عليه فساد الكنيسة اِقْتِضَاءً – يرى (وفقاً) لمعظم أدبياته (الشفهية والكتابية) أن لا تعايش بين العقل والدِيّن   ، "وهذه ردة فعل ووهم ساذج"، فالعقل والدِيّن   صنوان متوازيان متلازمان في مسار عبادة الله وعمارة الأرض وتحقيق الاستخلاف فتحقيق رضا الله تعالى ، وقد تقرر عند الفيلسوف أبن رشد ؛ من حيث هو مسلم - أن الدِيّن قرين الحكمة ؛ وهذا ما نراه . (فالعقل) متى أدرك أن في الإنسان جوانب روحية تتطلب الإرواء أعمل الدِيّن   ؛ (والدِيّن) متى تحرر عن الخرافة والأيديولوجيا والدروشة والجمودية والظاهرية – من حيث هو نص صريحٌ صحيحٌ صالح –  فهو يكون أعمل العقل ، ولم ولن يتصادم معه بالضرورة أبداً ، بل وكلفه الاجتهاد والإبداع وأطلقه فشجعه فكافئه أصاب أم أخطاء ؛ وذلك ليس في دين من قبل ولا من بعد غير في دين الإسلام ؛ فهو معصومٌ متعبدٌ به من حيث مقصده وغايته .. وليس من حيث حرفه ونصه؛ وفيه مردود على كل ذي رأي مالم يوافق العقل ومقاصد الدِيّن   ويفي بحاجات الزمان في المكان قوله ، ولو كان ممن هو بأبي وأمي المعصوم محمد (ص) - فهو فقط مستثنى بعصمة عموم فطرته بخصوص رسالته ، وتلك ميزته - وليس بمطلق فعله ورأيه ولفضه وفكرته – وأنه قد أُوتي جوامع الكلم ؛ وذلك ما أقر به هو (ص) في حديث ( تأبير النخيل ) - على اختلاف رواياته - ، حين قال : ( إنما أنا بشر ؛ وأنتم أعلم بشؤون دنياكم ) ؛ وكذا بنزوله عن رأيه إلى رأي أصحابه في إحدى المعارك .. ، وإلى رأي (أم سلمه) في شأن سياسة أصحابه حين عصوه ورفضوا الحلق والنحر ... وقد رأينا كيف أن الله .. ضرب لنا على ذلك أمثلة في مَعرِض عتابه للنبي المعصوم - وهو مصدر عصمته - في أكثر من موضع في كتابه ؛ وما ذلك إلا ليُعلِمنا - من خلال عتابه لنبيه – أن لا معصوم بكل فعله ورأيه ولفضه وفكرته ولو كان نبياً مرسل ؛ وأن لكلٍ رأيه بلفظه يترتب عليه فعله في زمانه ومكانه ، وبحسب حاجته وضرورته ، وعلى دليله وقصده تتوقف حجته . واستغفر الله العظيم إن كان فهم من قولي هذا إساءة الأدب مع مقام النبوة لا والله (بأبي هو وأمي) عليه وعلى جميع الأنبياء الصلاة والسلام ؛ وفي هذا بيانٌ لله ثم للتاريخ ، براءة للذمة وسلامة للهمة .
(7) فلو فرضنا أن نقلاً نراه صريحٌ صحيحٌ وعقل سليم ، افترقا في مسألة ، سبق للنقل فيها "نصٌ" خالفه فيها عقل الدراية ، شكَكّنا في صراحة النقل أو صحته أو صلاحيته اِبْتِدَاءً - من حيث هو رواية - لا في العقل - من حيث هو مخبر واقع الدراية - فعالمُ اجتماعٍ مثلاً يرى في مسألة سبق للشريعة فيها نقل يخالفه ، قلنا بقول العالمِ – من حيث هو يحترم الدِيّن ولا يتقصد مصادمته؛ ويلازم العقل وليس مجرد مجاراته؛ وسعادة الانسان ظاهر غايتهخينها يعلق "النقل" (نصُ الإشكال) زماناً ومكاناً أو حالاً إلى حين . ولا شك أن قد سبق في ذلك عرفٌ فقهي قوليٌ أو عمليٌ .
أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات ( تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع