أشترك في النشرة البريدية
ضع بريدك الألكتروني هنا
: ما رأيك في الموقع الجديد ؟
ما رأيك في الموقع الجديد ؟
الكهنوت الشيوعي والوهابي وما بينهما "الحلقة الثالثة" | قضايا تاريخية | الرئيسية

الكهنوت الشيوعي والوهابي وما بينهما "الحلقة الثالثة"

حجم الخط: Decrease font/a> Enlarge font
image

*عبده النقيب

كنت قد تطرقت في الحلقة الثانية الى طبيعة الدعوة الوهابية وتعرضت للخلفية المذهبية والعقائدية لهذه الدعوة .. تاريخ نشوئها وممارساتها التي تتناقض مع خطابها ومبادئها المعلنة. في الحلقة الثالثة اواصل توضيح بعض الجوانب الفكرية والشرعية مع محاولة البحث عن صلاتها بحركات التطرف الأخرى فكريا وتنظيميا والأهم من هذا كله صلاتها المشبوهة بالدوائر الاستعمارية الغربية وتأثير ذلك عليها.

هنا تبدو الحقيقة جلية للعيان عند وجود مجاميع معينة منحت نفسها حق ممارسة السلطة الدينية (الكهنوت) تتخصص في شئون الدين والفتاوي ترتبط بشكل مباشر بالسلطة المدنية لآل سعود وهي تؤدي وظيفة التبرير الديني للأفعال السياسية للدولة السعودية في تناقض صارخ مع محتويات دعوتهم ومع قيم الإسلام الذين يغالون في حرصهم على خدمته. إنهم الوهابيين. هكذا ومن خلال التحالف والترابط في المصالح والمصير تصبح السلطة الدينية للوهابيين او كما عرفوا بآل الشيخ وسيلة لدعم السلطة المدنية ولن تقف بوجه السلطة المدنية مهما كان الأمر وهو ما أكدته سيرة الدعوة الوهابية على مدار قرنين ونصف تقريبا حيث مارس رجال الدين الذين تخصصوا من خلال وجود مؤسساتهم في امتهان إصدار الفتاوي وتنصيب انفسهم خلفاء لله على الأرض معنيون في رعاية الإسلام وتقديم  تفسيرهم الخاص به  باعتباره الإسلام الحقيقي كمقدس وملزم للكل بما يتوافق  ومصالح الأسرة الحاكمة في السعودية وهنا تقوم الاركان المكتملة لسلطة الكهنوت بقضها وقضيضها التي ينكرونها  عن انفسهم ويتهمون الأزهر بها لأنه اصلا يخالفهم في فتاويه.

الأخطر من هذا هو أن جذور التعصب تنبع من الاعتقاد بالفهم الصحيح والكامل للنص يدفع بأصحاب ذلك الاعتقاد الى ممارسة الإرهاب الفكري والمعنوي والجسدي ضد كل من يخالفهم او يحاول ان يفكر ويستخدم عقله في التعاطي مع سيول الفتاوي مما يؤدي للجمود الفكري وبالتالي الانحدار الحضاري الكامل. هؤلاء هم سليلين تيار النقل الذي فرض على أمة الإسلام التقوقع والجمود بعد تغلّب تيار أنصار النص على تيار أنصار العقل حتى صار المسلمين كغثاء السيل.

تروي لنا السير تعرض تيار المعتزلة من قبل الكثير من الحكام المسلمين للقمع والملاحقات وكان الجعد بن درهم اول الضحايا الذي ذبح لرأيه عند قوله بان القرآن مخلوق في أقدم خلاف فكري في الاسلام والمعروف بمحنة خلق القرآن. كان المعتزل الجعد بن درهم يعيش في دمشق في القرن الأول الهجري في عهد آخر خليفة اموي وهرب من دمشق الى الكوفة ينشر تعاليمه وفي عهد الخليفة عبدالملك ابن مروان الذي عين خالد القسري واليا على الكوفة اعتقل الجعد واحضره يوم العيد الى المسجد وخطب بالناس خطبة العيد قائلا: "أيها الناس ضحُّوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍّ بالجعد بن درهم؛ إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما .. ثم نزل فذبحه في أصل المنبر." البداية والنهاية للإمام الحافظ ابن كثير .المجلد 9 ـ ص : 379

" هنا يجب ان نتلفت إلى ان سيادة الأفكار وهيمنتها تم ومازال يتم بأدوات القهر والقمع السلطوي، وكما حاول المأمون فرض فكرة المعتزلة حاول خلفاؤه قتل فكرة المعتزلة وفرض فكرة خصومهم، وفي سياق الانهيار الحضاري والتخلف الفكري الذي اصاب العالم الإسلامي بفعل عوامل التفتت الداخلي والهجوم الخارجي – والمستمر حتى هذه اللحظة – استقرت الفكرة، ولخصت وشوهت واكتسبت قداستها عند العامة والخاصة، بل وعند المتخصصين" نصر حامد ابو زيد "النص والسلطة الحقيقية" إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة. الطبعة الرابعة 2000 المركز الثقافي الدار البيضاء.

بعد أن كثرت الفرق وزاد الخلاف بين اوساط المسلمين يعتبر ما قام به الداعية محمد ابن عبد الوهاب من ادعاء بالعودة الى الاصول وسيرة السلف انه قد أسس لفتنة تعد الأخطر في تاريخ الإسلام والأمة العربية كلها. بدلا من ان يساهم في تقريب وجهات النظر وتوضيح الخلاف المقبول والمعقول الذي يعد مصدر للإلهام ووسيلة لتطوير المعرفة للوصول الى الحقيقة النسبية وبدلا من ان يفهم الاختلاف على انه مصدر للثراء وسببا يدفعنا للبحث والتعلم والاستدلال تأسيا بحديث المصطفى " اختلاف امتي رحمة" الذي يكذبه بعض الفقهاء. ليس المهم ان يكون الحديث صحيحا او منحولا بل ماهو مؤكد هو أن الاختلاف بين المسلمين حقيقة موضوعية منذ لحظة وفاة الرسول حين كاد المسلمين ان يقتتلوا في اول خلاف برز بين الانصار والمهاجرين في السقيفة حول خلافة ابي بكر التي فرضها عمر بالسيف. كان الخلاف حول السلطة المدنية او الإمارة وهو أمر بالغ الدلالة على أن امر السلطة شان دنيوي لم يسكت عنه الرسول عبثا ولم يشر له القرآن وإلا لكانت المحاجّة بين الأنصار والمهاجرين تنصب حول تفسير النص إما من القران او من السنة ما يدعم به حجة كل طرف في احقيته بالخلافة. لقد خلى الخلاف من أي جدل حول النصوص وهو تأكيد على أن أمر السلطة ليس من الدين بل هو متروك لـلامة وما نقصده هنا حول من له الحق في إمارة المسلمين وليس عن الطريقة التي يجب ان يحكم بها التي لا شك في ان على الحاكم ان يستلهم روح الدين الإسلامي ومقاصده في العدالة عند رسم سياسته وإدارة سلطته. يبدو ان الداعية ابن عبدالوهاب الذين يصفه اتباعه بالمجدد قد ضاق ذرعا من الخلافات وكثرة المذاهب والفرق بل والخزعبلات التي علقت بوعي المسلمين نتيجة الجهل والتخلف وخاصة في البيئة البدوية التي عاش فيها قاده كل ذلك إلى تجنب قراءة وفهم ذلك التنوع الفقهي والفكري واللجوء لأقرب السبل عبر تكفير الكل والادعاء بالعودة للنص الأصلي وسيرة السلف الذي حصره في فقه احمد ابن حنبل ولا أحد غيره.

 وبهذا يكون الشيخ محمد إين عبدالوهاب قد اسس تيارا جديدا يرى بخطأ كل من يختلف معه ويصبح ما كان مختلفا حوله بين المذاهب والفرق امرا جائزا ومقبول فإنه عند ابن عبدالوهاب كفر وخروج عن الدين يجب مجاهدته. وهو بتأسيسه لهذا المنهج الجديد والمختلف في فهم وقراءه الإسلام ونصوص القرآن يكون قد اسس لمرحلة تكفير ومنهج لحسم الاختلافات عبر العنف والقوة ظنا منه انه يستطيع الغاء هذه الاختلافات بين الفرق والمذاهب دون ان يدرك علاقة تلك الاختلافات باختلاف البيئات الاجتماعية والسياسية والتاريخية للمسلمين. يقول الدكتور الجابري في هذا الصدد: " بدأ "فقه السنة" كجميع فروع الفقه الأخرى بالحديث النبوي. ففي عصر الراشدين والعصر الأموي كان الحكم الشرعي يلتمس من القرآن و " الأثر" عموما: ما يرى من حديث وأخبار عن الرسول والصحابة. وبما أن القرآن لم يتعرض لمسائل الحكم والسياسية ولا لشكل الدولة، وبما ان الصحابة كانوا قد اختلفوا منذ وفاة النبي في هذه المسائل بالذات واستفحل الخلاف زمن الفتنة استفحالا هدد كيان المجتمع الإسلامي، فإن المرجعية الوحيدة التي كانت تلتمس منها الشرعية الدينية لقضايا السياسة هي " الحديث". كل فرقة وكل حزب وكل حاكم يروي من الحديث ما يضفي به الشرعية على موقفه السياسي. وهكذا راجت أحاديث ظاهرة الوضع تمدح او تذم هذا الشخص او ذاك، هذه الفرقة او تلك" محمد عابد الجابري."نقد العقل ..العقل السياسي العربي " الجزء الثالث. مركز دراسات الوحدة العربية بيروت لبنان 1992م

لن اناقش ما قاله أحد الشيوخ بان الازهر في تصديه لإصدار الفتاوي يعتبره كهانه يجب تحريمها على اعتبار ان هناك علماء بلغوا مراتب اعلى وأسمى من اولئك الذين في الازهر لكنهم يعتبرون فتاويهم بمثابة مرجعية. هذا الشيخ الذي أطلق الخطبة العصماء يبدو انه أحد شيوخ الوهابية. التيار الديني الذين يعتبرون ان تفسيرهم للإسلام هو الصحيح وماعداه كفر يجب إزالته. هكذا نجد أنفسنا امام اناس يحتكرون الحقيقة في تفسيرهم للدين الإسلامي يعتبرون من يخالفهم ويمارس شعائره بما يخالف طقوسهم خارج عن الدين والجهاد ضده واجب ديني مقدس. بالمقابل يقول شيخ الأزهر الدكتور احمد الطيب في مقابلة متلفزه عن حقيقة الوهابية "إن الادعاء بان مذهب الوهابية هو مذهب السلف جهل وخطأ وخطر وانه تزييف وتظليل".

هكذا نشاهد انتحاريين شباب يهتفون الله أكبر ويفجرون أنفسهم في اماكن عامة تعج بالمسلمين اطفالا وشيوخ ونساء. هي الفتوى المقدسة والاعتقاد بامتلاك الحقيقة. اذن هي الكهانة بعينها تلك الممارسة الاعتقادية والسلوكية التي نعاني منها في مجتمعاتنا الإسلامية ممن نسميهم بالمتطرفين من الجهاديين، أنصار الشريعة، السلفيين جميعهم اسماء متعددة لوظيفة واحدة. ويقدم لنا النموذج الإسلامي الطالباني مثلا على ارتباط التعصب للرأي بالعنف والادعاء بامتلاك التفسير الحقيقي والفهم الصحيح للإسلام دون غيرهم. التعصب الذي دائما ما يرتد إلى نحر صاحبه التي تؤكد هذه الحقيقة الوقائع المختلفة والتجارب المتطرفة اكانت دينية ام يسارية او قومية او شيوعية او فاشية ولنأخذ افغانستان نموذجا.

بعد ان تم تحرير أفغانستان من الاحتلال السوفيتي عام 1989م انفجر الصراع بين اقطاب المجاهدين آخذا بعدا اثنيا يلتحف رداء الإسلام. وعندما تمكنت حركة طالبان الأكثر تطرفا من الوصول الى كابول اقدمت على شنق الرئيس الشيوعي السابق الدكتور نجيب الله1996 م الذي كان قد طلب اللجوء في مقر الأمم المتحدة في كابول فاقتحمت طالبان المقر وقبضت على نجيب الله ثم شنقته على عمود الكهرباء وظل معلقا في الشارع بشكل اثار استهجان المسلمين في كل العالم. ثم تمت تصفية رموز الجهاد الإسلامي في افغانستان كأحمد شاه مسعود وبرهان الدين رباني من قبل طالبان نفسها وقدموا نموذج جديد للإسلام أصروا على صحته وملاحقة مخالفيهم واقاموا محاكم التفتيش الجديدة التي انكرت الحياة على المرآة بما في ذلك حقها في التعليم وقدموا خدمات كبيرة لأعداء الإسلام عبر تشويهه. كانت حادثة الطفلة مالالا يوسفزاي في وادي سوات في شمال باكستان في اواخر عام 2012هي الأبلغ على جهل المتطرفين الطالبانيين حيث تحولت قضية الطفلة البالغة اربعة عشر عاما الى قضية رأي عام عالمي .. هزمت مالالا الطفلة الفكر الطالباني بكل مجتهدية عبر مدونتها التي دافعت فيها عن حق الفتاة في التعليم الذي يرفضه الطالبانييون فخاف من مدونتها كل من يسمون أنفسهم بالعلماء ولجأوا لمحاولة قتلها عبر جهادي ملتحي غطى وجهه باللثام وأطلق الرصاص على مالالا وهي تقل حافلة المدرسة بين زميلاتها .. "من مكن هي مالالا؟ تكلمن وإلا أطلقت النار عليكن جميعا" قالها الطالباني وهو يهم بقتلها ولم يكن يعرف انه يوجه الرصاص نحو مبادئ الإسلام الحضارية السمحة وليس نحو رأس مالالا في حادثة اساءت للإسلام ايما إساءه.

تمكنت الشعوب الأوربية من التخلص من ظلم وبطش الكهان ومحاكم التفتيش سيئة الصيت عبر فصل الدين عن الدولة لكننا في مجتمعاتنا العربية بالذات مازلنا نعاني ممن نصبوا انفسهم ممثلين لله على الأرض وممن يرون انهم يجب ان يتدخلوا في كل شاردة وواردة في شئون الناس من شكل البنطال ووضعية غطاء الراس الى نظام البنوك وغيرها. قال القيادي في الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر علي بلحاج اثناء الانتخابات البرلمانية وهم يتقدمون على غيرهم في ديسمبر 1991م  "سننظر في كل شيء من وضعية الحجاب إلى شكل السلطة".

هناك إشكال حقيقي وتحدي يواجهنا اليوم، لا يكمن ذلك فيما إذا كان الإسلام دين ودولة ام ان شئون الدينا أمر متروك للأمه بل ان الإشكال هو في إرهاب التيارات الإسلامية التي ترى بانها تحتكر الحقيقة ضد خصومهم ليس من غير المسلمين او المرتدين او الفاسقين بل من مسلمين يخالفونهم الرأي في فهمهم وتفسيرهم للإسلام نفسه. فلا مجال هنا لحصر العلماء الذين افتي بتكفيرهم وطارت رؤوسهم في مصر وغيرها كالشيخ الذهبي وفرج فوده وكفّر نصر حامد ابو زيد  وذهب كهنة اليمن الى الإفتاء حول ما تسمى بالوحدة التي تخالف إرادة شعب الجنوب ويراها شر مستطير و شيء ليس له علاقة بالوحدة وانما مجرد شعار ووسيلة لسلبهم ثرواتهم وكرامتهم وحقوق المواطنة وهويتهم وتاريخهم, افتى هؤلاء بانها مقدسة وجزء من الدين ومن عارضها فقد عارض الدين نفسه وعلى ضوء فتاوي طالبان اليمن من الخوارج الجدد تطير الرؤوس الجنوبية  صباحا ومساءا في مسلسل دموي لن ينته , ينفذه مريدي واتباع الكهنة الباحثون عن الجنة وحور العين ظنا منهم انهم يقاتلون اعداء الله وهم في الحقيقة اعداء الإسلام اتباع الكهنة من شياطين الإصلاح اللصوص والفاسدون, من الذين يرأسون إمبراطورية  تدير تجارة السلاح والاثار المهربة وتجارة الأطفال والدعارة والخمور والمخدرات  وكل ما لا يخطر على بال المغفلين الانتحاريين الضحايا في الدنيا والآخرة. اما إذا ذهبنا إلى ابعد من الخلاف مع العلماء وأشرنا الى المذاهب والفرق فالوهابيين يطلقون النار على الجميع مسلمين وغيرهم يكفرن الشيعة والمعتدلين في التدين الذي يطلق عليهم بالمتصوفين ولا أدري هل نحن اليوم أمام حديث الرسول الله (ص) : "تنقسم أمتى الى بضعة وسبعون شعبة كلها في النار الا شعبة واحدة فقط قال الصحابة ومن هم هذه الشعبة يا رسول اللهقال الرسول صلى الله عليه وسلم من كانوا مثل ما انا وأصحابي نفعل." تلك الشعبة هي ما اصطلح على تسميتها في التراث الإسلامي بالناجون من النار.. وقد وجدت بالفعل جماعة متطرفة في مصر اطلقت على نفسها هذا الاسم , ويطلق الوهابيين على انفسهم باهل السنة والجماعة اي الفرقة الناجية.

وبتسليط الضوء على الكثير من حركات التطرف الديني من الذين يدعوا ان تفسيرهم للإسلام هو الدين الصحيح نرى ان الكثير من قياداتهم وجماعاتهم لهم سلوك يتعارض مع ابسط القيم الدينية والإنسانية على حد سواء  والأخطر من هذه ارتباطات الجماعات المتطرفة بشكل او بآخر بالدوائر الاستخباراتية الغربية فمن تابع مسلسل  سوزان لينداور – ضابط ارتباط لدى الـ CIA سابقا  على قناة روسيا اليوم في برنامج  "رحلة في الذاكرة" بعد ان لجأت مؤخرا الى موسكو وكشفت عن مخطط أحداث 11 سبتمبر 2001 م  ان الهجوم على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك كان مدبرا من قبل إسرائيل وان المخابرات الأمريكية كانت على إطلاع مسبق به. إن ذلك أمر يثير التساؤل عن علاقة المشاركين من اعضاء تنظيم القاعدة في العملية بتلك الدوائر الاستخبارية الأمريكية والإسرائيلية. اسئلة لا تحتاج الى تكهن في الإجابة. وقد سربت المخابرات البريطانية ال م آي سيكس (MI6) قبل عدة سنوات تقريرا يؤكد ان المخابرات الإسرائيلية "الموساد" قد اخترقت تنظيم القاعدة وكانت تدير تحرك شباب عناصر القاعدة المشاركين في تلك الأحداث اثناء مرحلتي الحضير والتنفيذ، واكد هذه المسألة بالتفصيل الكاتب الفرنسي تييري ميسان في كتابه " الخدعة الرهيبة “الذي اصدره قبل عدة سنوات.

 وفي عام   2010 م أصدر الصحافي البريطاني الشهير مارك كورتيس كتابه «شؤون سرية: تواطؤ بريطانيا مع الإسلام الراديكالي». فضح فيه تواطؤ وعلاقة بريطانيا مع المتطرفين الإسلاميين استند في كتابة الى الوثائق الرسمية للخارجية والمخابرات البريطانيتين أكد فيه ضلوع واشراف أمريكا وبريطانيا على تأسيس معظم الحركات السلامية المتطرفة التي ترفع شعار العداء للغرب  وأستعرض الدور التآمري لبريطانيا مع الاسلاميين وتحويلهم إلى خدم طائعين لأمريكا  ويؤكد الكاتب علاقة بريطانيا بجماعة الإخوان المسلمين في وقت مبكر من القرن الماضي اثناء استعمار بريطانيا لمصر واكد هذه الحقيقة عدد من الكتاب العرب في كتب منشورة وموثقة .اطلق كورتيس مصطلح لندنستان تأكيدا منه ان لندن صارت المأوى الاولى والمفضل الإسلاميين الراديكاليين ويؤكد ان السعودية وبريطانيا هما الممولان الاساسيان للجماعات الإسلامية المتطرفة على مدى ثلاثة عقود .. ويشير الكاتب الى ان وثيقة تتبع وزارة الخارجية البريطانية وجدها ضمن مجموعة هائلة من الوثائق الأخرى تؤكد تقديم الدعم المالي من بريطانيا للإخوان واميرهم حسن البناء بالتنسيق مع القصر في مصر بغرض السيطرة على الجماعة.ـــ مارك كورتيس : شئون سرية .. تواطؤ بريطانيا مع الإسلام الراديكالي. باللغة الإنكليزية صادر 2010م.

ولدينا شهادة أخرى وثقها القيادي السابق في جماعة الإخوان المسلمين ثروة الخرباوي تقول:

"الثامن والعشرون من شهر آذار. . العام: 2008

الشخص: كين لفنجستون.

الوظيفة: عمدة لندن وأحد أقطاب حزب العمال البريطاني وأحد الأسماء البارزة في سماء اليسار الأوروبي الداعم لعديد من القضايا العربية والإسلامية.

المشهد: خرج كين لفنجستون من مكتبه ليقف أمام عشرات من الصحفيين، وبعد أن تحدث معهم عن بعض الشؤون الخاصة بالعاصمة لندن سأله أحد الصحفيين عن خطر الجماعات الإسلامية الأصولية، فقال لهم مطمئنا: "جماعة الإخوان كبرى هذه الحركات تربطنا بها علاقة جيدة، وقد كانت تتلقى تمويلا ماليا من الخارجية البريطانية منذ بداية نشأتها، فهي ليست بعيدة عنا إذن، وقد استخدمنا

هذه الجماعة لسنوات طويلة وكانت مخلصة لنا، فقد كان نظام عبد الناصر خطرا علينا، وعلى الجانب الآخر مثلت هذه الجماعة خطرا كبيرا على عبد الناصر ونظامه". أئمة الشر. ثروت الخرباوي. الحلقة الخامسة. الحياة الجديدة الثلاثاء 11 يونيو 2013.

ويؤكد كورتيس على أن الدعوة الوهابية لصاحبها محمد أبن عبدالوهاب التي انتشرت اولا في نجد والحجاز ليست بعيده عن ايادي بريطانيا.  وهنا أحب التنويه الى شيء مهم وهو ان الإشارات التي قدمها الكثيرون عن العلاقة بين الراديكاليين الإسلامين وبريطانيا او الولايات المتحدة لا تعني أن هذين الدولتين تلتقيان مع اهداف الحركات المتطرفة المعلنة وأفكارها بل ان الغرض هو الاحتواء والسيطرة عليها ثم استخدامها كبؤر عنف داخل المجتمعات الإسلامية تخلق الدمار وتعيق التنمية على الطريقة التي يجند بها العملاء ويتم استخدامهم ثم التخلص منهم بعد أن يؤدوا دورهم. وفي هذا الصدد اشير الى كتابين حديثين ومهمين للمحامي والمفكر القيادي السابق في  جماعة الإخوان المسلمين ثروة الخرباوي  كتابي "قلب الإخوان" و"سر المعبد" ويعكف على استكمال كتابه الجديد ائمة الشر الذي قد نشر الكثير من اجزاءه في حلقات في عدد من الصحف الى تأكيد العلاقة والاتصال والتعاون والتنسيق بين المخابرات الغربية وجماعة الإخوان المسلمين في مصر ومع اجهزة النظام السابق أثناء حكم مبارك بل ومع المخابرات الأمريكية ووجود اتفاقات وتنازلات تمس الثوابت الأساسية لجماعة الإخوان ناهيك عن الكثير من التفاصيل التي تفضح الممارسات المشينة للجماعة من داخلها.

والأخطر من هذا يتحدث عن وجود علاقة جماعة الإخوان بالتنظيم الدولي للماسونية حيث يقول:

"انكببت في فترة من حياتي على القراءة عن الماسون والماسونيين، وكان مما قرأته أن الأفراد العاديين للماسون لا يعرفون الاسرار العظمى لتنظيمهم العالمي , تلك الأسرار تكون مخفية إلا على الذين يؤتمنون على الحفاظ على سربتها، وتكون هي الهيكل الذي يحفظ كيان الماسونية، وعند بحثي في الماسونية أستلفت نظري ان التنظيم الماسوني يشبه من حيث البناء التنظيمي جماعة الإخوان، وحتى درجات الانتماء للجماعة واحدة في التنظيمين. !!  وعندما كنت طالبا في السنة النهائية بكلية الحقوق وقع تحت يدي طبعة قديمة لاحد كتب الشيخ محمد الغزالي وإذا جرت عيني على سطور الكتاب وجدته يتحدث عن ان المرشد الثاني حسن الهضيبي كان ماسونيا!   "سر المعبد. الأسرار الخفية لجماعة الإخوان المسلمين" الطبعة الأولي نوفمبر 2012م. ثروت الخرباوي.

ويضيف في نفس الكتاب بقوله ايضا: " وقتها وقعت تحت يدي مجموعة من المقالات كان قد كتبها الاستاذ سيد قطب في جريدة "التاج المصري" واثناء بحثي عرفت ان هذه الجريدة كانت لسان حال المحفل الماسوني المصري!! وكانت لا تسمح لاحد ان يكتب فيها من خارج جمعية الماسون"

  ان المتابع لخطاب جماعة الإخوان المسلمين قبل توليهم السلطة في مصر حيث كانوا يوجهوا انتقادات حادة للنظام السابق عن علاقاته بأمريكا وعن معاهدة كامب يفيد وعن تزويد مصر لإسرائيل بالغاز بأسعار زهيدة وكانت هي حججهم في تحريض الشارع المصري ضد السلطة واتهامها بالخيانة والعمالة واليوم وبعد أن وصلت الجماعة الى السلطة وصارت تحكم بشكل مطلق عبر الأغلبية البرلمانية وعبر الرئيس المنتخب فإن مجالات التعاون مع امريكا ومع إسرائيل زادت وتحسنت اكثر بكثير ومازالت الجماعة تبذل جاهدة لتطويرها, كما ان قطر وهي الداعم الرئيس لجماعة الإخوان المسلمين في مصر وغيرها تقيم علاقات دبلوماسية واقتصادية بشكل او بآخر بما في ذلك استثمارات وتعاون عالي المستوى مع دولة اسرائيل مما  يؤكد عدم مصداقية خطاب الجماعة وحقيقة تعاونهم وعلاقتهم مع الدوائر الاستخبارية الغربية والماسونية.

حقيقة علاقة بريطانيا والولايات المتحدة بتأسيس ودعم الحركات الإسلامية المتطرفة ليست خافية فقد اكدتها الكثير من الوثائق التي نشرت ومن بعض الكتاب والقيادات من داخل تلك الحركات نفسها وآخرها وليس آخر هي كتب القيادي الإخواني السابق المحامي المصري ثروت الخرباوي.

المسالة هنا لا تخضع لنظرية المؤامرة فقد خرجت الكثير من الأسرار إلى العلن وهو الأمر الذي تؤكده حقيقة اهتمام الدوائر الاستخبارية الغربية بالتحكم بمصائر الشعوب عبر دراسة تاريخها واختراق انظمتها وإحكام السيطرة عليها وزرع العملاء حكاما وأحزاب. كما انها ليست صدفة فليس جديدا ان يظهر بشكل جلي وجود علاقة وصلات بين التيارات السياسية المتطرفة الإسلامية منها والماركسية على حد سواء والدوائر الاستعمارية والغربية لان الإسلام نفسه منذ عصوره الأولى تعرض لمثل هذا فأدخلت أحاديث غير صحيحة عرفت في التراث الإسلامي باسم الإسرائيليات وجميعنا يعرف دور اليمني اليهودي عبدالله بن سبأ في هذا الشأن.

ليس غريبا ان نتعرض لكل انواع المؤامرات واخطرها هي المؤامرات الفكرية التي تؤسس للفرقة والاقتتال بين المسلمين فالغرب يعطي جل اهتمامه لأحوال المسلمين وقد أبدع المستشرقون في كتاباتهم عن تاريخنا أكثر منا ويسبقونا إلى ذلك في دراسة الكثير من الظواهر وهو دليل على تأكيد قدرة المؤسسات الاستعمارية والمخابراتية الغربية على فهم ومعرفة اوضاعنا ودراستها بطرق علمية مما يمكنهم من رسم سياسات متقنة تستطيع التحكم بعقولنا الغارقة في التخلف والبداوة. ويمثل المستشرق والمفكر البريطاني اليهودي العملاق والمعاصر برنارد لويس ضابط المخابرات البريطاني السابق واستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة برنستون في امريكا حاليا والمنظر الأول للسياسية الخارجية الأمريكية والذي أكمل عامه الثامن والتسعون أحد أبرز النماذج الحية على ذلك فهو صاحبة نظرية تفتيت الشرق الاوسط التي تنفذ بحذافيرها حاليا والتي تتضمن إعادة رسم خارطته التي نشرت على الموقع الرسمي للخارجية الأمريكية. لقد كتب برنارد لويس بتفوق عالي عن اقرانه من الباحثين العرب عدد من المؤلفات حول الإسلام وتاريخ الإسلام واهتم بشكل خاص بتاريخ الحركات السرية في الإسلام حيث الّف كتاب خاص بالحشاشين، الفرقة الإسماعلية التي عاصرت الدولة العباسية ومارست العنف بأبشع صوره تشبه ممارسات القاعدة والوهابيين اليوم واستفحل امرها ولم يتمكن من القضاء عليهم سوى المغول على يد هولاكو الذي ابادهم واستأصل شوكتهم.

لم يعد خافيا ذلك الدور الذي تقوم به المؤسسات الاستخبارية الاستعمارية في السيطرة على الحكام والأحزاب وقد خرجت الكثير من المعلومات المتواجدة في خزائن المخابرات البريطانية الإمبراطورية وخارجيتها التي لها اليد الطولي في الشرق الأوسط على مدى ثلاثة قرون على الأقل حتى وصل بجواسيس وضباط المخابرات البريطانية ان يصبحوا مستشارين يقودون حكام الدول العربية ويصنعون الحكام كيفما يشاؤوا. فقد حدثتنا الأخبار عن جون فيلبي الذي اعتنق الإسلام وأسمى نفسه عبدالله هو ضابط المخابرات البريطاني الذي كان يلقي خطب الجمعة في الحرم المكي لعب دورا محوريا في سياسة عدد من الدول ومنها السعودية والعراق والأردن وفلسطين. تزوج من نجدية وأنجب منها ولد صار فيما أحد أبرز جواسيس بريطانيا في المنطقة حتى تولى رئاسة المخابرات البريطانية نفسها. ولورانس الذي أطلقوا عليه لورانس العرب كان هو القائد الفعلي للثورة العربية الكبرى في اوائل القرن الماضي التي وقف فيها العرب الى جانب دول الحلفاء في الحرب العالمية الأولي ضد تركيا الحقوا فيها هزيمة تاريخية لدولة الخلافة العثمانية التي تم القضاء عليها بتعاون العرب وفي مقدمتهم أنصار الدعوة الوهابية وحلفائهم من الحكام في الجزيرة العربية الذي وعدتهم بريطانيا بالاستقلال وتشكيل دولة عربية موحدة فيما عرفنا في التاريخ بمراسلات الشريف حسين وهنري مكماهون. مثلما وعدتنا بريطانيا بالأمس بالاستقلال والوحدة العربية تعدنا امريكا اليوم بالديمقراطية وكان من نتائج ذلك الحلف الأول ووعد بريطانيا تنفيذ اتفاقية سايكس بيكو وتقسيم المنطقة العربية الى دويلات وقطع الطريق امام مشروع دولة الوحدة العربية والخلافة العربية أما اليوم فالنتيجة ستكون تقسيم تلك الدويلات المقسمة الى شيع وطوائف وفقا لتحالف جماعة الإخوان مع امريكا و"زملاءها". ستمزق المنطقة مرة اخرى بأيدي عربية وللأسف هم جماعة الإخوان المسلمين.

هناك نماذج كثيرة لكن الجاسوس البريطاني همفر هو الأكثر اثارة لارتباطه بمؤسس الدعوة الوهابية الشيح محمد عبد الوهاب مباشرة حين التقى به بالبصرة واقام معه علاقات وطيدة حتى لازمه كظله بين العراق ونجد طوال مرحلة الدعوة في شبه الجزيرة العربية. كان همفر جاسوسا مخضرما عاش في الهند وإسطنبول والعراق عمل وتعلم اللغات العربية والتركية والفارسية ودرس الشريعة الإسلامية بتعمق وأعلن اسلامه وكان ضمن فريق تجسسي يضم تسعة افراد صنعوا المعجزات أحدهم وصل الى صنعاء لكن بريطانيا العظمي فشلت في اقتفاء اخباره، يبدو انها ايضا اخطأت في حساباتها ولم تستفد من الدرس التركي في اليمن ولم تكن تدرك أن " الداخل إلى اليمن مفقودا والخارج منها مولودا".

أخبار الجاسوس همفر لم تكن معروفة حتى قريبا ولذا لم اقتف أثر لمذكراته على اهميتها القصوى ضمن تلك التي بحوزة المستشرق الروسي فاسيلييف وهو الذي جمع من المراجع ما لا يمكن تصوره، وفي اعتقادي لأن فاسيليف ألف كتابه في اوائل تسعينيات القرن الماضي بيمنا تسربت مذكرات همفر بعد ذلك بحوالي 13 عاما تقريبا.

لم اكن ميالا للأخذ بمذكرات همفر لكن اطلاعي المستمر ومتابعاتي على مدى ربع قرن لتاريخ الإسلام السياسي وقراءاتي  لقصص المستشرقين الأوروبيين والروس وحجم الكم الهائل من المعلومات الاستخباراتية التي تسربت حول الدور البريطاني والأمريكي في الشرق الأوسط  وتشابه ما حصل للثورة في الجنوب العربي ( اليمن الديمقراطية) من اختراقات وسيطرة خارجية عليها وتدميرها عبر التيار المتطرف يجعلني اميل لتصديق مذكرات همفر واجزم بأن هناك اطمئنان تام من قبل الدوائر التي سربت المذكرات بعدم حدوث أي ردود سلبية او صحوة عربية  يمكن ان تثيرها مثل هذه المعلومات الخطيرة بعد أن تأكدت هذه الدوائر بأنها قد احكمت السيطرة الكاملة على المنطقة والدليل على ذلك هي حادثتي لوكربي و11 سبتمبر التي تكشفت الآن انها صنيعة استخباراتية إسرائيلية غربية لم يجرؤ احد من الذين اتهموا بالوقوف وراء تلك الحادثتين على رفع دعاوي ضد من اتهموهم  وتم على ضوئها تدمير افغانستان والعراق وليبيا ومازالت دول عربية كثيرة تنتظر نفس السيناريو.

قبل ان اترككم مع مقتطفات من مذكرات همفر اود ان اشير الى أن الحركات المتطرفة الإسلامية والشيوعية الماركسية تتشابه في تجاربها إلى حد كبير. شعارات متطرفة وضجيج إعلامي ودمار اقتصادي وقتل ونهاية سيئة ولنا في الجنوب العربي نصيب وافر من هذا وهذا ما حاولت التعرض له في الحلقة الاخيرة التي كرست للنموذج الكهنوتي الشيوعي بشكل عام وتجرية الكهنوت الماركسي في اليمن الديمقراطي بشكل خاص.

تمكن همفر من تجنيد الداعية محمد ابن عبدالوهاب لصالح وزارة المستعمرات البريطانية وسيطر عليه عبر الفتيات والخمر ثم تغلغل في اعماقه فدرس نفسيته البدوية وتمكن عبر فريق متخصص في وزارة المستعمرات البريطانية من توجيهه في دعوته الوجهة التي تريدها بريطانيا. ورسموا له كيف يقوم بحملات التدمير لكل ماله علاقة بالتاريخ الإسلامي تحت دعاوي محاربة الوثنية بلغ ذلك حد اقناعه بهدم الكعبة المشرفة وفقا للمبدأ الوهابي الراسخ الذي يقضي بضرورة هدم الأضرحة والقباب والعتبات المقدسة وهو ما فعلوه في مناطق شبه الجزيرة العربية وسواحل الخليج وعمان والعراق واليمن. وتولت الحكومة البريطانية برعاية وتأسيس الدولة السعودية التي كانت قد دمرتها القوات المصرية وحملة محمد علي باشا فأحيتها بريطانيا ورعتها وجعلت من مؤسس الدولة السعودية شريك وحليف للدعوة الوهابية فسخرت الدولة السعودية في المقابل الأموال الضخمة لنشر الدعوة وتمكينها وتثبيت أركانها بالمقابل الوهابية ساهمت بقوة في ارساء دعائم الدولة السعودية بالفتاوي وفقا للحاجة والضرورة. في نفس الوقت تلك الدعوة قدمت خدمة جليله في تمكين التغلغل البريطاني الأمريكي في المنطقة والقيام بالدور المطلوب منها في قمع وتدمير الحركات الوطنية في المنطقة العربية نيابة عن بريطانيا وأمريكا تغنيهما عن استخدام الجيوش وصرف الأموال.

المذكرات موجودة باللغتين العربية والإنكليزية وسأنقل للقارئ مقتطفات منها كما هي دون تعليق.

"تقرير همفر الأول حول مواطن ضعف السلطنة العثمانية
"كنت قد نجحت نجاحا باهرا في تعلم التركية والعربية والقرآن والشريعة، لكني لم أحرز نجاحا في تقديم تقرير يدل الوزارة على مواقع الضعف في الدولة العثمانية. وبعدما انفضت الجلسة التي دامت ستة ساعات، لفت نظري السكرتير إلى نقطة الضعف، قلت له أن مهمتي تعلم اللغة والشريعة والقرآن، ولذا لم أبذل وقتا كافيا لغير ذلك، وسوف أكون عند حسن ظنكم في السفرة القادمة أن أوليتم ثقتكم بي.

-
همفر يتلقى تفاصيل مهمته الثانية

قال السكرتير: لا شك أنك ناجح لكني آمل منك أن تحرز قصب السبق في هذه الحلبة، أن مهمتك يا همفر في السفرة القادمة أمران هي :

أولا - أن تجد نقطة الضعف عند المسلمين والتي نتمكن بها من أن ندخل في جسمهم ونبدد أوصالهم ، فإن أساس النجاح على العدو هو هذا.

ثانيا - أن تكون أنت المباشر لهذا الأمر إذا ما وجدت نقطة الضعف، فإن قدرت على المهمة فسوف أطمئن بأنك أنجح العملاء وستستحق وسام الوزارة.

بقيت في لندن مدة ستة أشهر... وإذا بالأوامر الصارمة تصدر من الوزارة في أن أتوجه إلى إقليم العراق، البلد العربي الذي استعمرته الخلافة منذ زمن طويل.

7-
وصول همفر إلى العراق

بعد ستة أشهر وجدت نفسي في (البصرة) بالعراق...

ذات مرة ذكرت لبعض رؤسائي في الوزارة اختلاف السنة والشيعة وقلت لهم أنهم لو كانوا يفهمون الحياة لتركوا النزاع ووحدوا كلمتهم. فنهرني الرئيس قائلا الواجب عليك أن تزيد الشقة لا أن تحاول جمع كلمة المسلمين.

اجتماع همفر بابن عبد الوهاب
بعد ان تعرف عليه في البصرة ووطد علاقته يصفه قائلا:

" كان الشاب الطموح (محمد) يقلد نفسه في فهم القرآن والسنة، ويضرب بآراء المشايخ. ليس مشايخ زمانه والمذاهب الأربعة فحسب، بل بآراء أبي بكر وعمر أيضا بعرض الحائط. إذا هو فهم من الكتاب على خلاف ما فهموه الآخرين، وكان يقول أن الرسول قال أني مخلف فيكم الكتاب والسنة، ولم يقل أني مخلف فيكم الكتاب والسنة والصحابة والمذاهب، ولذا فالواجب الكتاب والسنة مهما كانت أراء المذاهب والصحابة والمشايخ مخالفة لذلك".

"ووجدت في (محمد عبد الوهاب) ضالتي المنشودة، فإن تحرره وطموحه من مشايخ عصره، ورأيه المستقل الذي لا يهتم حتى بالخلفاء الأربعة أمام ما يفهمه هو من القرآن و السنة، كان أكبر نقاط الضعف التي كنت أتمكن أن أتسلل منها إلى نفسه"

"لقد عقدت بيني وبين محمد أقوى الصلات والروابط، وكنت أنفخ فيه باستمرار وأبين له أنه أكثر موهبة من (علي وعمر) وأن الرسول لو كان حاضرا لأختارك خليفة له دونهما. وكنت أقول له دائما آمل في تجديد الإسلام على يديك فإنك المنقذ الوحيد الذي يرجى به انتشال الإسلام من هذه المسقطة."

أدار همفر نقاشات فقهية مع ابن عبدالوهاب حول الخمر والنساء والصلاة وتمكن من إقناعه من شرب الخمر والتمتع بالنساء والتساهل عن الصلاة حيث قال: " أخذ يسمعني محمد بكل قلبه، ثم تنهد وقال: بل تثبت في بعض الأخبار أن عمر يكسر الخمر في الماء و يشربها، ويقول إن سكرها حرام، لا إن لم تكن تسكر. ثم أردف محمد قائلا: وكان عمر صحيح الفهم في ذلك لأن القرآن يقول (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة)، فإذا لم تُسكر الخمر لم تفعل هذه الأمور التي ذكرت في الآية وعليه فلا نهى عن الخمر، إذا لم تكن مسكرة."

وكان قد عرفه على مسيحية اسماها صفية وهي من الجواسيس الذين يعيشون في العراق. "أخبرت (صفية) بما جرى، وأكدت عليها أن تسقي محمد في هذه المرة الخمرة مغلفة ففعلت وأخبرتني أن الشيخ شرب حتى الثمالة وعربد وجامعها عدة مرات في تلك الليلة، وقد رأيت أنا آثار الضعف والنحول عليه غداة تلك الليلة. وهكذا استوليت أنا وصفية على الشيخ محمد استيلاء كاملا. ويا لها من روعة تلك الكلمة الذهبية، قالها لي وزير المستعمرات حين ودعته (إنا استرجعنا أسبانيا من الكفار (يقصد المسلمين) بالخمر والبغاء، فلنحاول أن نسترجع سائر بلادنا بهاتين القوتين العظيمتين "
وفي حوار أخر بين الجاسوس والداعية يقول همفر " هل صحيح أن النبي آخى بين الصحابة؟ قال: نعم. قلت : هل أحكام الإسلام وقتية أم دائمة؟ قال محمد : بل دائمة لأن الرسول يقول (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة). قلت: إذا فلنواخي أنا وأنت. ومنذ ذلك الحين كنت أتبعه في كل سفر وحضر، وكنت أهتم لأن تأتي الشجرة التي غرستها ثمارها التي صرفت لأجلها أثمن أوقات شبابي. وكنت أكتب بالنتائج إلى وزارة المستعمرات كل شهر مرة"

وبعد عودة همفر الى لندن استقبل استقبال الأبطال من قبل الوزارة ثم كلف بالعودة الى العرق لمواصلة المهمة حيث قال:" بقيت في لندن مدة شهر آخر حتى أتتنا أوامر الوزارة بالتوجه إلى العراق مرة أخرى، لتكميل الشوط مع (محمد عبد الوهاب) وقد أمرني السكرتير بأن لا أفرط في حقه مقدار ذرة حيث قال أنه حصل من مختلف التقارير الواردة إليه من العملاء أن الشيخ أفضل شخص يمكن الاعتماد عليه ليكون مطية لمآرب الوزارة. ثم قال السكرتير: تكلم مع الشيخ بصراحة. وقال أن عميلنا في أصفهان، تكلم معه بصراحة، وقبل الشيخ العرض على أن نحفظه من الحكومات والعلماء الذين لابد وأن يهاجموه بكافة السبل حينما يبدي آرائه وأفكاره، وأن يزوده بالمال الكافي والسلاح إذا اقتضى الأمر ذلك، وأن نجعل له إمارة ولو صغيرة في أطراف بلاده (نجد) وقد قبلت الوزارة كل ذلك ."

ثم قال :" لقد كدتُ أخرج عن جلدي من شدة الفرح بهذا النبأ، قلت للسكرتير : إذن فما هو العمل الآن؟

وبماذا أكلّف الشيخ، ومن أين أبدأ؟ قال السكرتير : لقد وضعت الوزارة خطة دقيقة لأن ينفذها الشيخ وهي :

1-)
تكفير كل المسلمين وإباحة قتلهم وسلب أموالهم وهتك أعراضهم وبيعهم في أسواق النخاسة، رجالهم جعلهم عبيدا ونسائهم جواري .
2-)
وهدم الكعبة باسم أنها آثار وثنية إن أمكن ومنع الناس عن الحج وإغراء القبائل بسلب الحجاج وقتلهم .
 3-) والسعي لخلع طاعة الخليفة، والإغراء لمحاربته وتجهيز الجيوش لذلك، ومن اللازم أيضا محاربة (أشراف الحجاز) بكل الوسائل الممكنة، والتقليل من نفوذهم 

 .4-)  وهدم القباب والأضرحة والأماكن المقدسة عند المسلمين في مكة والمدينة وسائر البلاد التي يمكنه ذلك فيها باسم أنها وثنية وشرك والاستهانة بشخصية النبي (محمد) وخلفائه ورجال الإسلام بما يتيسّر .
5-)
ونشر الفوضى والإرهاب في البلاد حسب ما يمكنه .
6-)
ونشر قرآن فيه التعديل الذي ثبت في الأحاديث من زيادة ونقيصة .

واضاف: " قال السكرتير لي بعدما بيّن البرنامج المذكور: لا يهولنّك هذا البرنامج الضخم فإن الواجب علينا أن نبذر البذرة وستأتي الأجيال الآتية ليكملوا المسيرة، وقد اعتادت حكومة بريطانيا العظمى على النفس الطويل، والسير خطوة خطوة، وهل محمد النبي إلا رجل واحد تمكن من ذلك الانقلاب المذهل؟ فليكن (محمد عبد الوهاب) مثل نبيّه (محمد) ليتمكن من هذا الانقلاب المنشود."

وبعد استطراد مشاركة همفر في رسم خطط الكر والفر ومهاجمة وإبادة العرب من القبائل في الجزيرة  يقول ايضا:" لقد وعدني (الشيخ) بتنفيذ كل الخطة السداسية إلا أنه قال : أنه لا يتمكن في الحال الحاضر إلا على الإجهار ببعضها وهكذا كان، وقد استبعد الشيخ أن يقدر على (هدم الكعبة) عند الاستيلاء عليها، كما لم يبح عند الناس بأنها وثنية وكذلك استبعد قدرته على صياغة قرآن جديد وكان أشد خوفه من السلطة في (مكة) وفي (الآستانة) وكان يقول : إذا أظهرنا هذين الأمرين لا بد وأن يجهز إلينا جيوش لا قبل لنا بها، وقبلت منه العذر لأن الأجواء لم تكن مهيأة كما قال الشيخ" .

اكتفي بهذه المقتطفات لكن محتويات المذكرات فيها اشياء تدعو للتأمل وخاصة ذلك الحوار الفقهي والفكري بين الجاسوس والداعية عن اركان الإسلام ولي ان اسجل اعجابي الشديد بهذا الولاء الوطني للجواسيس الانجليز الذين نذروا حياتهم من اجل وطنهم  امام ما نراه من عمالة لحكام وفقهاء عرب يتربعون على عروش اوطانهم التي اعطتهم كل المجد والثراء والرفعة وخانوا الأمانة من اجل استرضاء اسيادهم الذين يدعمون بقائهم على العروش ولا يعرفون ان مصير العملاء دائما مزابل التاريخ مهما قدموا من خدمات وقد راينا كيف كان مصيرهم في ثورة الربيع العربي وكيف تخلوا عنهم اسيادهم بل ودكوهم. لاشك ان الكثيرين منا ستأخذهم الصدمة من هول ما نرى اليوم من حكام ورجال دين كيف يخونون اوطانهم وهو بكل اسف امر ممكن الحدوث في زمن الانحدار والانهيار الحضاري لأي أمة لكن الأخطر من هؤلاء العملاء هو وجود مدارس متخصصة تعمل دون هوادة على ضرب الإيمان والولاء الوطني لدى الجماعات والشعوب فما حصل في الجنوب  العربي هو درس بليغ حيث نعاني اليوم من ثقافة وفلول الحزب الاشتراكي الذين يجاهدون من اجل العودة للسلطة على جثث ابناء وطنهم ولم تحرك المجازر والجرائم البشعة التي ارتكبتها وترتكبها قوات الاحتلال اليمني  ضد اهلهم  وذويهم ووطنهم وتاريخه ضمائرهم بل انهم ماضون في تحالفهم مع قوى الشر المعادية لشعب الجنوب وحريته ومستقبله من قوى الإرهاب في حزب الإصلاح المتأسلم ومن قوى الفساد من قبائل وعسكر الذي عاثوا في الجنوب فسادا.  ان نرى جواسيس وعملاء كأفراد فإنه شيء متوقع وأمرا ممكن الحدوث لكن ان نرى حزب يربي اعضاءه على نزع الولاء الوطني من القلوب والضمائر والوقوف كالآلة ضد شعبهم بتجرد من أي مشاعر إنسانية فإن ذلك يدعونا لان نضع سؤالا كبيرا أمام وطنية هذا الحزب وكم يشبه ما يفعلوه اليوم بالجنوب بما فعلته الدعوة الوهابية بالعرب في نجد والحجاز من حروب ابادة ودمار وقهر لا يمكن وصفه وهو السؤال الذي يمكننا ان نضعه أمام الدعوة الوهابية والحزب الاشتراكي اليمني مجتمعين !!

هل تعون نتائج ما تفعلون!!؟ ليست العبرة فيما تقولون بل العبرة بما تفعلون ونتائح افعالكم هي مانحكم بها عليكم. وهاهي نتائج افعالكم شديدة الوضوح وخاصة في الجنوب العربي.

مع المدرسة الماركسية وماركسيي الجنوب العربي في الحلقة التالية بإذن الله.

أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات ( تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع