الوحدة المؤامرة الوحدة الوهم
/a>
هناك عدة اسباب دفعت بالقيادة السياسية للجنوب الى الوحدة الوهم ، واهمها واخطرها تجذير الهوية اليمنية فى الجنوب وبالتالى ربطه بطريقة او باخرى باليمن ، وبالتالى لم يكن مستغربا وقوع الوحدة بتلك الاندفاعة الهوجاء ، بل اعتبرت خطوة طبيعية فى ذلك المنعطف التاريخى . ان القول ان الدخول فى الوحدة كان هروبا للامام لا يفسر بشكل دقيق حدوث الوحدة . قد يكون هروبا ، لكن السؤال لماذا الى اليمن ؟ والجواب ان الهوية اليمنية والتجييش العاطفى تجاهها فى الجنوب ، واعتبارها البلسم الشافى وجنة عدن الدنيا ، خلق تلك الاندفاعة العمياء او بالاحرى جر الى ذلك السقوط المريع . وبالتالى فالهروب ، اذا كان تمث هروب حقا ، لم يكن لذات الهروب بالنسبة للجنوب ، بل كان لتحقيق حلم كان وهما وانجاز هدف كان سرابا طالما تم التغنى به ليلا ونهارا . وكان يُضن أن الهروب بيضة تحمل الدجاجة التى ستلد ذهبا ، وطاقية ساحر ستخرج منها كل الحلول العظيمة . وحدث ذلك فى لحظة تاريخية عالمية حاسمة بالنسبة للجنوب ، وعوضا عن الانعطاف صعودا ، بتطبيق اصلاح سياسى واقتصادى ، تم الانعطاف هبوطا ، او بالاحرى طرنا الى وهدة واد سحيق بين الذئاب والضباع والثعالب والثعابين ، ولخيبتنا الشديدة ، كنا نحسب اننا نطير ونلحق فى جو السماء واننا صنعنا المعجزة .
وعليه فإن لب المشكلة كان فى الهوية اليمنية ولولاها لما كان هناك هروب الى الامام ولا اوهام ولا احلام ولا احزان .
الهوية اليمنية والاطماع الامامية :
ان اسم " جنوب اليمن " هو وليدة الاطماع اليمنية ، إذ اصله " جنوب اليمن المحتل " الاختراع اليمنى المهم .
عندما نتحدث عن الهوية فإننا نقصد الهوية السياسية التى تعنى وحدة الارض والشعب والمصير . ولايعنى وحدة اسم المنطقة ، فوحدة اسم اقليم ما شئ ووحدته السياسية شئ اخر تماما . وبالنسبة للجنوب العربى فإن وحدة اسم الاقليم غير صحيحة ، فقد خرجت من اسم اليمن الذى يدل على كل جنوب الجزيرة العربية بحيث يشمل عمان والامارات واجزاء واسعة من السعودية ، كل من عمان ( بما فيها الامارات ) وحضرموت من قرون متطاولة ، واصبحت مستقلة من حيث اسم المنطقة فحضرموت حضرموت معروفة للقاصى والدانى . اما اسم " جنوب اليمن " ذاته فهو اختراع يمنى صرف ، من ابداعات امام اليمن بعد استقلاله عن الحكم والنفوذ التركى ، ليدعم دعواه فى لحج وعدن والمناطق المحادة لها . ولذلك سمى هذه المنطقة باسم " جنوب اليمن المحتل " .
ان اسم جنوب اليمن المحتل هو توسعة للاسم السياسى والهوية السياسية للمملكة المتوكلية " اليمنية " لتغطية اطماعها . وبالتالى لايوجد شئ اسمه جنوب اليمن فى التاريخ ، مثلما لايوجد شئ اسمه شمال اليمن بمعنى عسير ونجران وغيرها او حتى الطائف كما يدعون ، ولولا تلك الاطماع والدعاوى وطبيعة المواجهة ( المواجهة مع بريطانيا ) لما ظهر هذا الاسم . وبالتالى فاسم " جنوب اليمن المحتل " كان الدعوى والحجة والذريعة السياسية للامام فى وجه بريطانيا فى عدن ونفوذها فى المحميات . فهو اسم كان يجسد صراع الامام سياسيا مع بريطانيا ودعم اطماعه ودعواه فى لحج وماجاورها . ولعدم وجود احتلال يقف فى وجه الاطماع اليمنية فى عسير ونجران لم يتم اختراع اسم " شمال اليمن المحتل " . وبالتالى فالامام بهذا الاسم نقل حربه السياسية ضد شعب المنطقة الرافضين للخضوع له والمتمسكين باستقلالهم عنه الى بريطانيا التى لايوجد لها حق فى الجنوب ولا حق فى فرض نفوذها على الجنوب ، وذلك حتى تظهر حجته قوية . وبالتالى فضمون هذه الدعوى يعنى ان ليس هناك صراع مع سكان المنطقة فهم جزء اصلا من " اليمن " ، وانما مع الاحتلال الذى " اقتطعها " من اليمن الام ، وكأن لحج من صنيعة الاحتلال . فنقل المواجهة من ميدان حقيقة استقلال الجنوب الرافض للتبعية اليمنية الى الصراع مع من ليس له حق فى الارض وهو الاحتلال .
توسعة اسم جنوب اليمن رغم انف الجغرافيا والواقع :
الذى حدث فيما بعد هو توسعة اسم " جنوب اليمن المحتل " ليشمل مالم يكن الى الجنوب من اليمن جغرافيا بل الى الشرق منه وهى حضرموت ( محافظات شبوة وحضرموت والمهرة ) التى صارت واقعا منذ قرون باسمها المستقل عن اسم اليمن اسم اقليم جنوب الجزيرة العربية . وكان ذلك على يد الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل ، وجبهة تحرير جنوب اليمن المحتل . وفرضت الهوية اليمنية رسميا فى 30 نوفمبر 1967م ، واسباب ذلك ومسوغاته مشروحة فى مقال " محاكمة الجبهة القومية " .
لقد مورس بعد الاستقلال غسيل دماغ لتثبيت الهوية اليمنية بكل الوسائل الممكنة ومنها تزوير تاريخ الجنوب وربطه باليمن ، وتجاوز مرحلة مهمة من مراحل التاريخ الجنوبى وهى مرحلة السلطنات واغفال تاريخها ، وكان لم يكن هناك سلطنات ولا استقلال للجنوب عن اليمن وانما اتت بريطانيا وفصلت الجنوب وشطرت اليمن وانشأت السلطنات . ان اغفال تاريخ الجنوب والقفز عليه وعدم ذكر السلطنات وكيف نشأت وكيف توالت ، ناهيك عن ذكر تفاصيل التاريخ القديم وتقديمه كانه تاريخ لبلاد واحدة (مثل مصر) فى سياق دعم اليمننة ، هو جزء من التزوير والتزييف يهدف الى هذا الغسيل .
الوحدة الوهم :
بعد تزييف التاريخ بالطمس والتحريف ، وبعد نجاح غسيل الدماغ ، وبعد تبيت الهوية اليمنية بمختلف المسوغات والمبررات ( انظر محاكمة الجبهة القومية ) ، وفى ظل تهاوى الانظمة الاشتراكية ، اندفع النظام فى الجنوب اندافاعا اهوج الى الوحدة الوهم لتحقيق الانجاز المرجو ولتحقيق التغيير فى الجنوب دفعة واحدة .
ونطرح هنا سؤال : لولا اليمننة والهوية اليمنية وهدف الوحدة اليمنية المرفوع وغسيل الدماغ هل سيندفع النظام فى الجنوب الى " الوحدة اليمنية " التى صنع دعايتها وطبل لها طويلا ؟
يمكن القول ان الاندفاع للوحدة كان الحل الاسهل لاستحقاقات اللحظة التاريخية بعد ان عبد طريقها بالتزوير وفرض الهوية وغسيل الدماغ . فى ظل وهم ان الطرف الاخر كان سليم النية وانه يريد الوحدة فعلا ولا يصده الا خوفه من فقد سيطرته على السلطة ، فلماذا لا يتم التنازل له ليقبل الوحدة ، وتكون الوحدة فى صالح الجميع ويتم بناء دولة قوية موحدة فى جنوب الجزيرة العربية . وهذه هى الوحدة الوهم بالنسبة للطرف الجنوبى .
( ملاحظة : الوحدة الوهم ، اسم اقتبسته لا ادرى ممن ) .
الوحدة المؤامرة :
دخل الطرف اليمنى فى الوحدة وهو معد العدة تماما ليس لبناء دولة وحدة حقيقية ، انما للسيطرة على الجنوب تماما . فكانت الوحدة مؤامرة على الجنوب الدولة : شعبا وارضا وسلطة . وتاريخ سلوك (ج ع ى) يدل على هذه الحقيقة منذ قيام الوحدة الى يومنا هذا ( تفصيل اكثر فى مقال الجنوب العربى وجنوب السودان اوجه الشبه والاختلاف ) .
ان الوحدة كانت مؤامرة على الجنوب العربى استدرج اليها فيما كان النظام السياسى فى الجنوب يضن نفسه يستدرج النظام فى اليمن لتحقيق الوحدة . ان وهم الوحدة اوالوحدة الوهم كان الغطاء الشرعى للمؤامرة على الجنوب ، كان غطاء على الوحدة المؤامرة . والهوية اليمنية هى الغطاء السياسى للاحتلال اليمنى وليد الوحدة المؤامرة المتشرعنة بالوحدة الوهم .
الجنوب العربى استقلال الهوية واسقاط الشرعية الوهمية :
إن اول خطوة فى تصحيح كل هذه الاخطاء هى العودة الى الهوية السياسية المستقلة ، فالجنوب العربى مستقل سياسيا وشعبيا وارضا عن اليمن ، والذى كان يربطه باليمن انما هو رباط الاخوة والدين مثل الذى يربطه بعمان والسعودية وبقية الشعوب العربية . ولذلك يجب ان ينعكس هذا الاستقلال فى هوية سياسية مستقلة . ومن وجهة نظرى انه فى مرحلة التحرير التى نمر بها الان علينا ان نتمسك باسم الجنوب العربى كهوية مستقلة . اما اسم ( ج ى د ش ) فتتم الاشارة اليه على انه الاسم الرسمى الخطأ للجنوب العربى .
ان تمسكنا باسم الجنوب العربى لايعنى اننا تنازلنا عن كوننا دولة تعرضت لمؤامرة ووقعت تحت احتلال ، ولا يعنى اننا تنازلنا عن الحق الدولى - اى طرف دولى - الذى يجسده ذلك الاسم . فالاسم من الناحية القانوية اجراء شكلى ، لافرق ان تمسكت باسم ج ى د ش ، اوتمسكت بالجنوب العربى ، ولذلك طالما لافرق بين الاسمين فى تقرير الحقوق ، يصبح لاسم الجنوب العربى ميزة اكبر وهى تجسيده لهوية سياسة مستقلة تعكس استقلال الشعب الجنوبى واستقلال بلاده وتعكس كون تلك البلاد والارض ليست شطرا من اليمن ولا تابعة لها ، وبالتالى تتضح حقيقة المطالبة بحق تقرير المصير للجاهلين بحقيقة القضية وانه حق استقلال شعب من احتلال دولة اجنبية ، وليس مجرد تقسيم لليمن او انفصال جزء منها .
ان هذا التمسك والطرح يعنى التالى : ان الجنوب العربى كان دولة مستقلة سميت رسميا وخطأ باسم (ج ى ج ش) ثم (ج ى د ش) .
وبذلك فالهوية السياسية المستقلة :
- تجسد الحق الدولى (كون الجنوب كان دولة مستقلة تعرضت لمؤامرة الوحدة توجت بالحرب واجتياح الجنوب وان دولة الجنوب رجعت عن وهم الوحدة باعلان فك الارتباط وهى الان تتعرض لاحتلال ) .
- تجسد استقلالية الجنوب العربى عن اليمن .
- تزيل اللبس حول كون الجنوب العربى واقع تحت احتلال . ان التمسك بالهوية المستقلة يختصر كثير من الايضاحات ويوضح الغموض والملابسات التى تحيط بالقضية الجنوبية ويكشف بجلاء حقيقة الوضع .
مقترح :
ويمكن هنا اقتراح عبارتين تجمع بين الهوية المستقلة وتشير الى دولة الجنوب السابقة المستقلة ، الاولى كالتالى : " الجنوب العربى الذى كان يسمى رسميا (ج ى د ش) خطأ " ، وتستخدم اذا اقتضت ضرورة الحديث ذلك فى اى مقابلة او كتابة تاكيدا وتذكيرا بالهوية المستقلة والدولة السابقة المستقلة التى تعرضت لمؤامرة واحتلال .
والعبارة الثانية تستخدم فى الخطابات الرسمية ( الرسائل الموجهة الى جهات رسمية ) يجمع بين الاسمين ، وهى كما جاء فى وثائق المجلس الاعلى للحراك : الجنوب العربى - ج ى د ش .
اما فى الاحتفالات والفعاليات والمظاهرات يجب استخدام اسم " الجنوب العربى " فقط ، وكذلك فى الكتابات والمقالات والتغطيات الصحفية والاخبار . اى التمسك به فى الخطاب السياسى العام بمختلف اشكاله وانواعه ، بما فى ذلك الكتابة على الجدران كأحد اساليب النضال .
رد سبق وبقى رد :
اسم ( ج ى د ش ) اسم جميل ومغرى وبراق ، على الاقل عند البعض ، سواء كان الاغراء بايحائه القانونى والدولى ، او كان الاغراء بهيبة الدولة الجنوبية السابقة وانجازاتها على عدة اصعدة ، فالاسم يشير الى دولة بمعنى دولة ، وهى الانجاز الحقيقى للتجربة الجنوبية السابقة ( انظر : تقييم التجربة الجنوبية السابقة ) ، فالتمسك العاطفى به كتمسك المفجوع بتذكارات من فجع فيه . والرد على الاغراء القانونى سبق اعلاه ، اما الرد على الاغراء العاطفى فهو : يجب أن نبتعد عن العاطفة فى السياسة .
27/10/2011

del.icio.us
Digg
التعليقات ( تعليقات سابقة):
أضف تعليقك