أشترك في النشرة البريدية
ضع بريدك الألكتروني هنا
: ما رأيك في الموقع الجديد ؟
ما رأيك في الموقع الجديد ؟
الإسلام – العلمانية والمجتمع المدني | وثــــائــق | الرئيسية

الإسلام – العلمانية والمجتمع المدني

حجم الخط: Decrease font/a> Enlarge font
image


 
عبدالسلام نور الدين
المحتويات:
1- تشكلات السؤال
هل يقف التراث الإسلامي عائقاً في وجه تقدم المجتمع العربي والإسلامي المعاصر؟ 
الثوابت-المتغيرات والشعائر في الإسلام
2- المجتمع المدني والأهلي
3- الشورى والديمقراطية
4- العلمانية والمجتمع المدني
5- الحركات الإسلامية المعاصرة والعنف 
لماذا تلجأ الحركات الإسلامية الأصولية إلى العنف؟
مصادر وهوامش
[1] تشكلات السؤال:
تقف اليوم الشعوب التي تعتنق الإسلام الذي صاغ بإعجاز(1) فى القرن السابع الميلادي 632م روح القبيلة العربية دينا*(وهى اليوم في الجغرافيا والتاريخ والمصالح أمم وشعوب وليست جسدا أو قلبا واحدا –التركى المصرى والسودانى-السعودى واليمنى-الكويتى-العراقي والإيراني-بنجلادش وباكستان-التشادى والليبى-الشيعي النصيرى والسنى فى سوريا- الدرزي والشيعي والسني في لبنان–الزيدي والأثني عشري والوهابي في اليمن والسعودية وإيران-) تقف كل هذه الشعوب في صراط الأعراف الفاصل بين وجودها والعدم، بين أن تكون أو لا تكون. وأصبحت على موعد لا تخلفه مع الأزمات الدورية والمآزق. وإذا كان ثمة اتساق في استجابة هذه الشعوب تجاه ما يعرض لها من تحديات وما يجابهها من معضلات، فذالك هو الاضطراب والتراجع والتشتت العقلي والوجداني ومغالطة النفس(2) للوقائع والحقائق واتهام المختلف بالتواطؤ مع الغرب والصهيونية والماسونية على إطفاء نور الإسلام (3) والدفع بالتي هي أعنف وبالإرهاب وسيلة للمناظرة والتحاور(4)، الأمر الذي يدفع بسؤال حارق ومفزع أن يقفز أمام البصر والبصيرة متشكلا بكل الصور التي لا تفرح ولا تدعو إلى الاطمئنان:

ألهذه الشعوب ذات الثقافة العربية الإسلامية مستقبل؟
ويصوغ السؤال نفسه بألفاظ أخرى:
لماذا تتراجع الشعوب العربية في الوقت الذي تتقدم فيه شعوب وأمم أخرى لا تمتلك ما تمتلكه الشعوب العربية من تراث وقوة بشرية وثروات؟ 

السؤال ذاته يصطنع لنفسه ملابس مختلفة ليقدم نفسه من جديد ولسان حاله يقول: حيثما تولوا وجوهكم يدرككم السؤال الذي منه تهربون:
لماذا نرى الشعوب والأمم تعيد النظر بشجاعة عقلية في تاريخها، أو مفرداتها الثقافية، وبنائها الاجتماعي والأخلاقي والجمالي، وتراثها الطارف التليد، ولماذا تفعل ذلك بجرأة الواثق والعقل المفتوح في كل منعرج أو محطة حضارية جديدة ولا تستنكف أن توجه النقد إلى تاريخاها وذاتها ومواقفها، وتغامر بحاضرها واستقرارها في سبيل مستقبل لابد منه حتى لا تتقدم إلى الخلف بينما تركن الشعوب العربية إلى حد الاعتصام بالماضي وتتقدم إلى المستقبل بظهرها، وتعلن أن ليس أمامها غير ذلك الظهر، وأن المستقبل هو ذلك الماضي أو أن الماضي الذي انقضى وذهب لابد أن يعود زاهراً وضيئاً إذا تم تمثله ظاهرا وباطنا كما ينبغي؟

وإذا قلبت أوجه السؤال فإنه ينسل عن أسئلة أخرى جريا على قاعدة التضمين المعروفة. ولكن لنأخذ وجهاً واحداً على وجه التحديد:
ماذا نعني بالماضي في هذا السياق؟
وماذا يتضمن معنى استعادة الماضي الزاهر كما يبدو لنا وكما يتجلى في حقيقته ذاته؟
قد يستبدل السائل بحثا عن الدقة كلمة "الماضي" بمصطلح أكثر تحديدا هو "التراث الإسلامي" والآن هل يمكننا صياغة السؤال على النحو التالي؟ 

هل يقف التراث الإسلامي عائقاً في وجه تقدم المجتمع العربي والإسلامي المعاصر؟ 

هل يعوق التراث الإسلامي – في تصوراته التقليدية للقضاء وأجهزة الشرطة وبناء الجيش والاقتصاد والموارد البشرية والطبيعية، ولصورة المرأة والرجل ودورهما في العمل وكسب الرزق وبناء المجتمع وحرية كل منهما في التصرف في ذاته وحقوق كل منهما المدنية والإنسانية والسياسية – وإعادة النظر في هذه المفردات ؟
هل يعوق التراث الإسلامي اندماج العرب والمسلمين عموما في المجتمعات متعددة الأعراق والأديان والقوميات التي يهاجرون إليها؟ هل يعوق التراث الإسلامي اندماج العربي والمسلم عموما في المنظومة الإقليمية والدولية دون أن يكون تابعا أو رافضا. هل يحظر الإسلام وتراثه على المسلم أن يطرح على نفسه ومجتمعه الأسئلة الفلسفية الكبرى حول الوجود الإلهي والإنساني والنبوة واليوم الآخر على مستوى الفكر الحر المنظم دون أن يتهم بالكفر والإلحاد أو يجد نفسه خارج دينه الإسلامي والمجتمع الذي ينتمي إليه؟ هل أسهم التراث العربي الإسلامي في انحطاط المسلمين؟ 

بداية نود أن نشير إلى أن التراث الإسلامي يتضمن ثوابت ومتغيرات وتتمثل الثوابت في: 1ـ الإيمان بالله 2ـ النبوة 3ـ اليوم الآخر(5).
هذه الثوابت هي أصول الدين والعقيدة الإسلامية. ويستطيع كل من آمن بها واعتنقها أن يتمثلها فرديا ويقوم بتطبيقها بصرف النظر عن القومية والثقافة والقطر والقارة التي ينتمي إليها . وليس في حاجة إلى دولة أو أجهزة لتنفيذها، وتتفق كل الشرائع والعهود ومواثيق حقوق الإنسان على كفالة وحماية حرية الإعتقاد وأداء الشعائر، ولا تقف هذه الأصول والثوابت بأية حال في وجه أي تقدم أو تغيير، سواء في إطار الشخصية أو المجتمع أو الحضارة. وكل شيء آخر عدا الأصول التي بًني الإسلام عليها يعد من الشعائر أو من المغيرات والمتحولات.
ويجسد القرآن والسنة المؤكدة أزلية ثوابت الإسلام، لذلك فإن كلمة التراث في هذا السياق تعني المتغيرات والمتحولات كالإمامة (والخلافة أو الدولة) "المجتمع السياسي"(6)، والشورى، والبيعة، وولاية العهد، وأهل الحل والعقد، والجهاد، والخراج، والحسبة، والقضاء، والثقافة، والتصورات حول دور المرأة والرجل والطفل والأسرة أو ذلك النص الآخر، ليس القرآني أو السني بأية حال، وإنما ذيالك النص الواقعي العملي الذي صاغته الدولة العربية الإسلامية وتداعياتها الحضارية عبر تشكلها منذ أن تولى الخليفة الأول أبو بكر الصديق الخلافة وحتى بداية تمزق الدولة العربية الإسلامية بنهاية آخر خلفاء العصر العباسي الأول: المتوكل على الله جعفر (232 - 244) بداية عصر الدويلات الذي أشار إلى بداية نهاية الحضارة العربية الإسلامية.
إن ثوابت الإسلام ليست تراثا إذ هي جوهر البناء الاعتقادي للمسلم، فرداً أو جماعة دون اعتبار للثقافات والأقطار والنظم الاقتصادية والطبقات الاجتماعية في الماضي والحاضر والمستقبل. أما التراث أيا كان- والتراث الإسلامي ليس استثناء، ولا يملك حقا للفيتو خاصاً به أو خصوصية تجعله فوق كل تراث بشري آخر - فقابل بماهيته ووظيفته للتغير والتحول والنقد، والنقض، لأنه صياغة لمصالح المسلمين المرسلة وفقههم وتفسيرهم واجتهاداتهم (7)، وعوامل تشكل دولتهم الداخلية وعلاقتها الخارجية في سياقها الثقافي التاريخي، في نشأتها وازدهارها وتدهورها وانهيارها - لابد من الإشارة أن الدول الإسلامية والحضارات قد ازدهرت يوما ثم اعتورها ما اعتور الممالك والامبراطوريات والحضارات فانهارت(8)
والآن، هل يقف ذلك التراث الإسلامي حائلا بين الشعوب العربية والمستقبل الذي تتطلع إليه؟ أم أن الأمر لا يتعلق بالتراث وحده، ولكنه يتداخل ويتفاعل مع واقع ووقائع المجتمع العربي الذي يمكن أن يوصف بأنه مجتمعا مغلقا(9) إذ يجسد بصورة عامة ركود البنية الاقتصادية والتشرذم والتراتب الاجتماعي المتمثل في علاقات الطائفة والنسب القرابي في تجليات وشائج العشيرة والقبيلة والقرية والمنطقة والكيانات المتكلسة والمتجلببة في تلك الثقافات المنبتة التي تراوح بين الأبوية والعرقية والدين وقيم الاستهلاك وهامشية الموقع الإنتاجي والإبداع لتصب تارة في العدمية البدوية أو التغرب(10) Westernization أو الانتقال مباشرة من تبني الثقافة الغربية إلى الظلامية، واستعادة أمجاد الدولة الخراجية أيام الأمويين والعباسيين، والبكاء بحرقة على ضياع الأندلس، هو الذي يدفع إلى استدعاء ذلك الجزء من التراث الذي يبحث له عن منطق حتى إذا كان تلفيقياً وليبرر له البقاء والاستمرار؟
ويمتد السؤال إلى فضاء أكثر أتساعا: هل يحول التراث الذي نعنيه بين المجتمعات العربية والسعي قدما لتحقيق المجتمع المدني باعتباره المخرج من حلقة دولة الطائفة والقرابة العشائرية والكيان والمنطقة والتنظيم الواحد الذي لا يتبدل أو الحاكم الأوحد من المهد إلى اللحد؟
هل يصلح الإسلام إطاراً دستورياً لمجتمع متعدد القوميات والأديان واللغات والثقافات– كالمجتمع اللبناني–الإسرائيلي–الهندي– السوداني–الاريتري - الإثيوبي– والنيجيري ـ البريطانى-الامريكى(11)؟
[2] مفهوم المجتمع المدني والأهلي:
لم يزل مفهوم المجتمع المدني في العالم العربي يفتقر إلى الدقة والتحديد، رغم الندوات والمؤتمرات وأوراق العمل العديدة. وقد لاحظ ذلك برهان غليون في عرضه لكتاب "ندوة المجتمع العربي ودوره في تحقيق الديمقراطية" (بيروت 2—23 كانون2 /يناير 1992م) (12) من الواضح أن جهد الباحثين الذين شاركوا في الندوة والكتاب قد تركز بشكل رئيسي على الإحاطة بالمفهوم، وقد أحتل تحديد مضمون المجتمع المدني، كما يستخدمه الباحثون، وكما استخدم في دائرة الفكر السياسي والاجتماعي الأوروبي والغربي، جزءاً أساسياً من الأبحاث والنقاشات والتعقيبات. وإذا كان تعدد وجهات النظر أو التحديدات من الأمور الطبيعية، لأنه يتعلق بالإشكالية ومنهج المقاربة الفردية، فإن غياب النظرة السياقية التي تظهر شروط وحيثيات تبدل محتوى المفهوم أو استخداماته المتباينة قد أعطى صورة مشوشة للمفهوم ومنع من إدراكه كأداة حية خاضعة في استعمالها لأوضاع المجتمعات الخاصة ومشاكلها. لقد بدأ البحث عن تحديد للمفهوم وكأنه مراكمة لتعريف، وبالتالي لمصطلحات متعددة ومتباينة، لكنها تتسم جميعا بسمة واحدة هي أنها مفاهيم ميتة.
ينبثق المجتمع السياسي الحديث الذي نطلق عليه الدولة كإعادة إنتاج للمجتمع المدني المؤطر والمنضبط في تنظيمات نقابية ومؤسسات حزبية.12 ويتشكل المجتمع بالضرورة من شرائح وفئات وطبقات اجتماعية حديثة تتمايز طبقاً لموقعها من العمل الإنتاجي والخدمات الملحقة به، وهذا التمايز يختلف كيفا عن التراتب الاجتماعي التقليدي. وتقدم اليمن منذ القرن العاشر الميلادي –الرابع الهجري وحتى 26 سبتمبر 1962 نموذجا مدهشاً لمجتمع التراتب التفاضلي التقليدي (13) (حيث ينقسم المجتمع اليمنى من أعلى إلى أسفل حديا وتفاضليا إلى:
-1السادة العدنانيون الهاشميون نسبا الزيود مذهبا
-2 القضاة القحطانيون نسبا الزيود مذهبا
-3 القبائل المحاربون
-4 أبناء الخمس أو الدوشان كالجزارين والحجامين والمزينين والاسكافيين والزمارين ـ الخدام – طائفة المنبوذين)*. وتمثل المواطنة والمواطن وحقوقهما السياسية والمدنية والإنسانية المحور الجوهري الذي يدور حوله المجتمع المدني (14). وتمثل المؤسسات من جمعيات وروابط واتحادات ونقابات أدوات مدنية مستقلة عن الأحزاب السياسية للضغط والنقد والصراع والحصار وأحيانا وطبقا لمقتضى الحال الحوار والتفاعل مع المجتمع السياسي (الدولة). وتمثل الأحزاب المؤسسات السياسية لتمثيل المجتمع المدني داخل وعبر إلى الدولة. ويطلق على ذلك التمثيل إعادة إنتاج المجتمع المدني (15) [وتعجز القبائل والطوائف والروابط، الإقليمية ومهما بلغت من دقة التنظيم العسكري أن تقوم بدور النقابات والاتحادات أو الأحزاب، لأن الذي يجمعها عادة ويجسد لحمة وسداه تلاحمها قرابة الدم والنسب، أو المنطقة، ولا تختلف الطوائف في جوهرها عن ذلك. لذلك يمكن أن يطلق على التجمعات القبلية والطائفية والمناطقية تجمعات أو مجتمعات أهلية وليست مدنية بأية حال. وليس مثيراً للعجب أن لا تجد القبائل اليمنية ذات التنظيم الدقيق وسيلة سوى خطف السواح الأجانب كأداة للضغط على الدولة لتحقيق مطالب يحققها عادة العاملون في المهنة الطبية بالتوقف عن العمل أو أي وسيلة مدنية ذات فعالية إنتاجية للتفاوض مع الدولة]. ولما كان من المستحيل تمثيل كل أطراف المجتمع المدني داخل الدولة فإن الشريحة أو الفئة أو الطبقة التي تستطيع بمفردها أو عبر تحالفات تعقدها مع أطراف أخرى في صيغة حزب سياسي له برنامج ناضج أن تجسد سياسيا عبر النظام التمثيلي (الانتخابات) مصلحتها وإرادتها وتصبح مهيمنة لأجل محدد على قيادة المجتمع السياسي. فالدولة المعاصرة هي آلة المجتمع المدني(15) السياسية التي تجسد إرادة ومصلحة الشريحة أو الشرائح أو الفئة أو الفئات أو الطبقة أو الطبقات التي حازت عبر اختيار انتخابي حر ومفتوح رضا الفئات والشرائح والطبقات الأخرى {وهذا الرضا والتمثيل النيابي يعبر عن الشق الأول من الديمقراطية} وإن تحكم بالنيابة عنها إلى أجل يحدد مدته الدستور الذي أقر طبقا للأسس الديمقراطية المتفق عليها، ثم تبدأ الدورة مرة أخرى من أجل نقل قيادة آلة الدولة إلى فئات اجتماعية أخرى أو يجدد لها التفويض بالانتخابات إلى أجل آخر معلوم. أو ما يطلق علية بالتداول السلمي للسلطة.
ولا تكتمل الديمقراطية إلا بالشق الآخر وهو التداول السلمي للسلطة السياسية(16) لذلك فإن تعددية الأحزاب السياسية تفترض وتلبي اختلافات وجهات النظر الاجتماعية وتباين البرامج السياسية وتعددية المشارب الثقافية وحرية الاعتقاد داخل شرائح وفئات وطبقات ومؤسسات المجتمع المدني. والنظام التمثيلي الانتخابي الذي يختلف عن نظام الشورى (الذي طُبق عمليا والذي لا يفترض ولا يقبل التعددية في الأحزاب السياسية وفي الرأي والثقافة والاعتقاد) لا معنى له البتة دون انتقال السلطة وتداولها. وانتقال السلطة وتداولها لا يلتقي في أي زاوية حادة أو منفرجة بنظام الخلاقة أو الإمامة أو البيعة أو ولاية العهد التي عرفها الحكم الأموي والعباسي الأول(17) أو عصر الدويلات الذي شهد الفصل بين مهام السلطان والخليفة حيث يقوم السلطان بالولاية الزمنية وعلى الخليفة الولاية الدينية.
3} الشورى والديمقراطية 

ويختلف النظام الذي يقوم على تعددية الأحزاب وحرية الإعتقاد والثقافة من جهة والحكم التمثيلي الذي يفضي بالضرورة إلى تداول الحكم من جهة أخرى عن نظام البيعة والخلافة على عهد الخلفاء الراشدين الذي نهض على شورى علماء الصحابة بصورة عامة وفق ظروف وملابسات اختلفت من خليفة لآخر ودون أن تكون هناك ثمة مؤسسة أو صحيفة يمكن الاحتكام إليها لدى التنازع بين علماء الصحابة أنفسهم كما قد وقع بالفعل فيما عرف بالفتنة الكبرى.18--
فاختيار أبي بكر كان باتفاق عدد كبير من الصحابة الذين تجمعوا في سفيفة بني ساعدة، ولم يكن التجمع الذي التقى في السقيفة قد سار وفق النظام الذي كان متبعا في دار الندوة القائم على الملأ قبل الإسلام. ولم يك ايضا وفق وما كان سائدا في مبتدأ دولة الرسول في المدينة حيث يمثل كل طرف في المدينة نقيبا ويقوم الرسول حكما بينهم إذا شجر بينهم خلاف، ولهم صحيفة _ بمقام المرجع الدستوري-19-_ تم الإتفاق عليها من قبل الأطراف المعنية في المدينة والوارد ذكرها في الصحيفة. وقد لاحظ الخليفة الثاني عمر بن الخطاب أن الذي تم في السفيفة ويعني الطريقة التي تمت بها بيعة ابي بكر قد كانت فلتة ولا ينبغي تكرارها0-20-. الجدير بالذكر أن الأسلوب الذي تم به إختيار الخليفة الأول والذي خرج عن النظام الذي أرساه الرسول في المدينة عبر الصيحفة قد شق صفوف الصحابة إلى أنصار (الأوس والخزرج) وإلى المهاجرين من قريش، وفتح الباب للنزاعات القديمة أن تطل برأسها، وقد كانت نهاية لمفهوم الأمة في بيان صحيفة المدينة والمدخل إلى الفتنة التي عُرفت بالكبرى وإلى مقتل كبار أجلاء الصحابة: الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيدالله وعلي بن أبي طالب بعد إقتتالهم وانقسامهم في صفين والجمل وتوزعهم فيما بعد إلى خوارج وشيعة ومرجئة . ويبدو أن حذر الخليفة الأول من العودة إلى أسلوب السقيفة قد دفعه إلى تفضيل نظام الوصية لعمر بن الخطاب الذي تمت البيعة له رغم عدم رضاء الهاشميين الذين توقعوا أن تؤول اليهم الخلافة بنفس الشعار الذي استبعد الأنصار منها والذي رفع في وجههم في السقيفة: الأئمة من قريش. فعلي بن أبي طالب تنطبق عليه كل المواصفات القرشية، إضافة إلى سبقه وبلائه في الإسلام وقربه من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مادام منطق ذلك القرب والقرابة هو الذي أستبعد الأنصار. ويبدو أن وصية ابي بكر بخلافة عمر قد ارتقت إلى درجة الإتفاق لإجماع كبار الصحابة عليها ولإستبعادهم نذر الإنقسام الذي كان وشيكاً. أما الخليفة عمر بن الخطاب فقد سمى سته من أجلاء الصحابة{عثمان بن عفان – علي ابن ابي طالب- ابو عبيده عامر بن الجراح- طلحة بن عبيدالله - سعد بن ابي وقاص- الزبير بن العوام} وأضاف اليهم ابنه على أن لا يُختار بل يستشار، وبعد إجراء عملية تقوم على المقابلة والإستبعاد أضحى عثمان بن عفان خليفة، 00-21- وتمت له البيعى بناءً على الوصية والإختيار معا التي ابتكر عمربن الخطاب. وقد اختير علي بن أبي طالب من عدد جد محدود، ومن ذوي القرابة. ولم تبايعه الشام. وهكذا أضحت اليعة والإختيار الجزئي امتداد لتلك الحرب الأهلية الضروس التي انفجرت على عهد عثمان بن عفان. وكان وقودها الصحابة والمسلمون جميعا.

وهكذا يتضح أن النظام الراشدي في إختيار الخليفة كان متباينا-22- وقد تراوح بين اتفاق عدد محدود في السفيفة إلى وصية أبي بكر الصديق بالجمع بين الوصية والشورى المحدودة فإلى البيعة الجزئية، ويمكن أن يقال أيضا أن النظام الراشدي كان أقل تمثيلا لوجهات نظر الجماعات المتطلعة إلى الخلاقة منه في دولة المدينة _ حيث يشترك جميع الأطراف داخل المدينة الذين انضموا برضائهم الكامل إلى الصحيفة عبر ممثلين لهم _ هم الإثنا عشر نقيبا، ويعد أيضا أقل تجسيدا لإرادة الأطراف منه في دولة مكة قبل الإسلام حيث تم تمثيل البطون القرشية المختلفة. لكل ذلك فإنه من التعسف بمكان إجراء المقارنة بين نظام الشورى الراشدي في اختيار الخليفة وبين النظام الدديمقراطي الحديث الذي ينهض على التعددية الحزبية والتعددية في الرأى وحرية الإعتقاد، وعلى التمثيل النيابي وتداول الحكم، وذلك لإختلاف السياق التاريخي والإجتماعي والحضاري الذي نشأت فيه دولة مكة ونظامها، وبدايات نشأة الدولة في المدينة، ودولة الخلفاء الراشدين عن المجتمع السياسي الحديث (الدولة) الذي يفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ويقوم مرة أخرى بفصل داخلي تفصيلي داخل كل سلطة لمنع تغول سلطة على أخرى أو تداخلها. ولفصل السلطات في الدولة (المجتمع السياسي) ما يعادله في مؤسسات المجتمع المدني حيث يتم داخل كل مؤسسة مدنية توزيع للسلطة بين أفراد الإتحاد والرابطة والجمعية والنقابة . وليس لتوزيع السلطات في المجتمع المدني الحديث ما يقابله في المجتمع الاهلي، مجتمع العشيرة أو العصبية في الدولة الأموية أو العباسية، إذ كان الخليفة مجسدا لكل السلطات ولا تعترف بمعارضيها إلآ في ميادين القتال، ومن ثم كان طبيعيا أن يكون التآمر والقمع والإغتيال هما الوسلة المثلى لتداول الحكم {ابن خلدون}.
لذلك يمكن أن نقول إن لدولة المجتمع المدني طابعا مزدوجا فهي تمثل إرادة شريحة أو فئة أو طبقة بعينها من جهة، ويأتي من جانب آخر كتعبير عن إرادة المجتمع فتكتسب سمة قومية ظ، فالفئة التي تحكم هي فئة اكتسبت صفة تمثيل كل الشرائح والفئات والطبقات طوعيا وعبر إجرائات ونظم وصناديق اقتراع وتداول حكم فلا يعني بالضرورة أن تفضي إلى آلة قومية. إن القومية تتجلى حينملا تكون الدولة آلة تجسد إرادة المجتتمع المدني. لذلك ينبغي التوقف في قضايا جد هامة تتعلق ببناء المجتمع المدني.

1. تتكون الثروة في المجتمع المدني من العمل الإنتاجي وتراكماته بديلا لمجتمع الإستهلاك والسياحة والسوق السوداء والتهريب والمعونات وتجارة السموم والأسلحة وكل ضروب وأشكال الأنشطة الإقتصادية ذات الطابع الطفيلي التي لا تسهم في تكوين وتنمية قوة بشرية تعتمد على نفسها في ابداع خيراتها المادية والروحية لكي يصبح ذلك العمل الإنتاجي قوام التوزع السكاني والإنتماء الإجتماعي والإنضواء النقابي والتنظيم السياسي. فالمواطنون من عمال وأطباء ومهندسين ومزارعين وجنود وموظفين وحرفيين ومعلمين وصحفيين وكتاب وفنانين وتجار ومالكي مزارع ومصانع ....الخ يتفرعون طبقا لمهنهم وانتاجهم الإجتماعي إلى شرائح وفئات وطبقات ويشكلون في نهاية المطاف شعبا يضمهم وطن له تاريخ وثفافة. وإذا كان قوام الإنتماء في المجتمع المدني هو العمل المنتج وليس آصرة الدم والنسب والطائفة والاقليم والتعاضد الطائفي والاقليمي، فلا بد من تحويل علاقات وانتماءات القبائل والطوائف والمناطق - عبر العمل والإنتاج - من المجتمع الأهلي إلى المدني، ومن ثم يسهل تحرير الثفاة من قيم التحيز والعنف والقمع والهيمنة والعرقية والتمييز والإبتزاز وتحقير الآخر الكامنة في تفاصيل ثقافة المجتمع الأهلي التقليدي الراكد.
2. إن رهن السلطة السياسية والإقتصادية والدستورية وايداعها في قبضة فرد واح أو هيئة واحدة او قصرها على حزب بعينة أو على نخبة مالية أو عسكرية أو دينية دون غيرها سواء كانت هذه دولة إقتصاديات السوق أول الملكية العامة لوسائل الانتاج (أو اشتراكية) يفضي تلقائيا إلي نمو سلطة الدولة نموا سرطانيا إلى الدرجة التي قد يؤدي فيها كبح جماحها إلى تدميرها، ومن ثم إلى كارثة محققة في المجتمع أو يضحي كبح الجماح أمرا فوق كل إرادة، آنئذ تتحول آلة الدولة إلى وحش حقيقي تزدرد كل ما يقع تحت بصرها ويدها وحينما يتأتى لها أن تقضي تماما على الأخضر واليابس ولاتجد مايسكن آلام شبق شهيتها، فإنها لا تجد بدا من أن تلتهم نفسها عضوا فعضوا {الاتحاد السوفيتي} ذلك هو واقع ومقتضى حال نمو الدولة وغياب المجتمع ومؤسساته المدنية.
إن الدولة حيث وجدت، إذا لم تجد مؤسسات مستقلة عنها تعمل للحد من تمددها وقطع الطريق على توحشها وإعادتها إلى آلة لخدمة المجتمع فإنها ستمتد لا محالة إلى خارج الحدود التي ترسمها لنفسها في البداية _ فالدولة الخراجية الإسلامية خرجت على قواعد وحدود الإسلام فقتلت المسلمين وسفكت بلا رحمة دماء معارضيها وأبقت الجزية على الذين دخلوا الإسلام في العهد الأموي نماذج. وقد ذبجت دولة استالين الذين قامت نفس الدولة على أكتافهم وتضحياتهم. والدولة القومية العربية المعاصرة قد أنشبت أظافرها في مؤسسيها وأضحت رسالتها الخالدة البقاء في السلطة بأي ثمن وعلى ظهور الأعداء والأقارب لذلك فإن أهم ما يقدمه المجتمع المدني هو توزيع السلطة على المؤسسات الشعبية المدنية عبر قنوات الإتحادات والجمعيات والأحزاب وتداولها على الحكم.
3. الديمقراطية في المجتمع المدني ليست هي الشورى بالفعل، أو بالتأويل، بل هي صيغة للتحاور بين الأحزاب السياسية المختلفة التي تقبلت الميثاق الدولي لحقوق الإنسان وأضحى جزءاً أصيلا من برامجها وتوجهاتها. ان اجراء الإنتخابات طبقا لزمن محدود يعني الإحتكام بالتراضي لصيغة سلمية لتداول الحكم بدلا من الإحتكام للسيف أو انتظار موت الخليفة. تداول الحكم يجرد السلاح من أيدي الطامعين بكراسي الحكم عبر القوة، ويحقن الدماء، ولكن تعدد الأحزاب يصبج عبئا محضا دون تداول الحكم. والذين يقبلون التعددية ويرفضون تداول الحكم يرفعون أنفسهم قبلوا أم لم يقبلوا إلى مقام الأباطرة والملوك، ويدفعون الأحزاب السياسية قسرا أن تتحول إلى عصابات مسلحة تحقق طموحاتها عبر حروب أهلية بدلا من السلم الذي ينفذ عبر صناديق الأقتراع، وقد قدمت الجزائر أنموذجاً يدعو للتأمل.


{4} العلمانية والمجتمع المدني:
إن مواصفات ومواضعات العلمانية في الشرق الإسلامي، والتي تُعرف عادة بانفصال الدين عن الدولة كما هو الحال في تركيا وسورية والعراق ومصر23 لا علاقة لها بالمجتمع المدني الذي نرمي ونسعى إلى تحديده24وتحقيقه. إذا كان البرنامج لحزب إسلامي يقبل بالتعددية ويحتكم للاقتراع وتداول الحكم عبر الإنتخاب ويتفهم أن الدين من شؤون المجتمع المدني وليس المجتمع السياسي (الدولة)، عندها يصبح خيارا قوميا باختيار الأغلبية له، مادامت المواطنة للجنسين (رجالا ونساء) والعمل الانتاجي وانفصال الثروة عن الدولة وتعدد الأحزاب السياسية والحقوق الإنسانية والمدنية تحت رعاية وحماية مؤسسات ذلك المجتمع. صحيح أن نشأة العلمانية في أوروبا قد ارتبطت بفصل الدين عن مؤسسات الدولة في أوروبا وأن الديمقراطية قد ارتبطت أيضا بحرية التجارة، وليس بمنظمات المجتمع المدني. ولا تزال تلك الفجوة فاغرة حتى الآن. وينبغي العودة لمناقشة هذه الفجوة بتفصيل في مكان آخر. إن مجرد فصل الدين عن الدولة لا يعني شيئا ولا يفضي بالضرورة إلى الديمقراطية أو المجتمع المدني فقد تكون الدولة التي تفصل نفسها عن الدين طائفية ترعى كواجب مقدس مصالح أقلية دينية أو عرقيه، أو كليهما معا.
وقد تكون التعددية الشكلية في ظل دولة طائفية ترفع رايات العلمانية صورة لتعدد الكيانات الطائفية العشائرية ويتم طبقا لذلك تبادل السلطة خضوعا لتوازن الكيانات والطوائف والأعراق والنحل المتنفذة، وتصبح العلمانية هنا تعبيرا عن استقلال الكيانات الطائفية ذات الجوهر الديني المحدود عن بعضها البعض والتي تفضل أحيانا ولدى الضرورة أن تدخل حروبا أهلية ممتدة تقضي فيها على نفسها وعلى المجتمع بدلا من أن تفسح الطريق لمجتمع مدني أساسه المواطنة وتقسم العمل، وتتبادل فيه الأحزاب السياسية الحكم بدلا عن الكيانات الطائفية العرقية. وقد قدمت الحرب الأهلية في لبنان مثالا مفزعا لعلمانية الطوائف الدينية وتعددية الكيانات وديمقراطية المجتمع الأهلي والغياب الكامل للمواطنة وحقوقها تحت حماية مجتمع مدني. وتتوهج المفارقة حينما نرى أمامنا أن الكيانات الطائفية العرقية شديدة التعصب لا تجد غير فصل الدين عن الدولة طريقا آخر لتسد المنافذ التي تتسر منها الديمقراطية المستندة على المواطنة والمجتمع المدني. ونلاحظ أمرا آخر أن الدولة العربية المعاصرة ذات الجوهر العشائري والطائفي تفضل متتصورة علمانية كقناع تدثر فيه ملامح ومطامع الطائفية أو الأقلية أو العشيرة ولتبرر به جلوسها فوق المجتمع وفوق القانون. أما تلك العشائر البدوية والتي قعد فيها المكر السياسي وعجزت حتى عن تفصيل أقنعة علمانية تحجب وجهها القبلي فقد لجأت إلى الدين وجعلت منه هوية للعصبية، ومن ثم عنّ لها أن ترفع عصبيتها إلى أعلى عليين، إلى مقام الأمة فأضحى الدين في منظورها الضيق طاعة إرادة العشيرة. لقد عثر المغامرون وهواة الإنقلابات العسكرية والساعون إلى المجد والثروة في سنوات عقد الخمسين إلى السبعين من هذا القرن على ضالتهم في التعريف القاطر للعلمانية(فصل الدين عن الدولة) والقومية إذا تبرر لهم العلمانية القومية افتراس السلطة والثروة معا والتحدث باسم الشعب أو الأمة إما بالحلول أو الاندماج أو الإتحاد، ويتسنى لهم أن يكونوا فوق الرقابة والدين والشعب والأمة بضربة واحدة. أنهم يحولون الشعب والدين والأمة إلى أساطير ملفقة خاضعة لمشيئتهم أيان شاءوا. أما الذين يتطلعون إلى إقامة الدولة الدينية الآن أو قد أقاموها بالفعل ويرمون خصومهم بالعلمانية كهجاء مقذع فلا يذهبون في نهاية المطاف إلى أبعد من مرمى وغايات المغامرين وهواة الإنقلابات والمبشرين بالرسالات الخالدة للطوائف والعشائر والقبائل، ومع ذلك فإن لهم فضيلة ينبغي أن تحسب، إذ يفصحون بفظاظة نادرة تنتقص أسلافهم القوميين العلمانيين بأنهم خلفاء الله في الأرض ثم أضافوا ركنا سادسا إلى أركن الإسلام الخمسة المتفق عليها من قبل المذاهب الأساس في الإسلام وهو الدولة أو الحكم ، واضحى الإيمان ناقصا دون التسليم بالدولة الدينية تماما كالإيمان بالله والنبوة واليوم الآخر.
إن تلك الدولة التي أقامها من تصور نفسة علمانيالعربيا بجذورها العشائرية الطائفية وقناعها القومي وتلك الدولة التي اقامها ما يطلق المتطرف أو الأصولي أو الإسلام السياسي وخير نماذجها طرا-دولة طالبان فى افغانستان ودولة الخيار الحضارى فى السودان ا تلتقيان معا في محطة كبرى هي إسقاطها للمواطنة والديموقراطية كعقد سياسى بين مواطنين يتمتعون بالارادة والفعل الحرواسقاط كل حقوق الإنسان فى الرأى والتعبير والاعتقاد وعدم الإعتراف كلية بالمجتمع المدني ومؤسساته واستقلاله عن الدولة.
{5} الحركات الإسلامية المعاصرة والعنف 
لماذا تلجأ الحركات الإسلامية الأصولية إلى العنف؟
تتوجه الحركات الإسلامية المعاصرة وبشكل كامل للهيمنة على آلة الدولة وتوجيهها أو تسخيرها لتطبيق الشريعة الإسلامية. ولا يفرقون فى الثنايا بين الثوابت والشعائر والمتغيرات لأن الدين _ الثابت والمتغير _ يحل لديهم محل القانون والمعرفة والثقافة والأخلاق والعلم والمجتمع أو باختزالهم وابتسارهم الإسلام إلى دين ودولة. وإذا كان منطقيا أن الإسلام دين فتتحول مقولة الشيخ حسن البنا ودون أن يختل المعنى إلى: الإسلام دولة، فكان لا بد وخضوعا لمنطقهم القفز إلى أعلى للهيمنة على ناصية الدولة: هذا القفز العمودي إلى أعلى دون المرور عبر تنظيمات ومؤسسات مدنية هو مصدر العنف. إذا عنّ لنا أن نتصور افتراضا أن الحركات الإسلامية تريد تغيير البناء التقليدي للأسرة العربية الإسلامية من الأبوية إلى أسرة المشاركة، أو تسعى مثلا أن يستند التعليم والمعرفة على التفكير وليس التلقين والتسليم وأن ينشأ البناء الإجتماعي على التمايز الذي يحدده العمل والإنتاج وليس التفاضل الديني والعرقي والثقافي والطائفي، وأن يُبني نظام الحكم على التمثيل الإنتخابي والتعددية في التنظيم والرأى وفي الإعتقاد والفصل بين السلطات داخل مؤسسات الدولة بأن لا تتركز كل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في الخليفة أو السلطان أو ولاية الجمهورية الدينية، إذا تصورنا ذلك افتراضا فإن أسلوب الحركات الإسلامية لا بد أن قد كان ويكون مختلفا. من المفارقات أن الإسلاميين الأصوليين وهم خارج الدولة وفي صفوف المعارضة ينصبون من أنفسهم دولة موازية، ويتخذون من العنف وسيلة للحوار والتغيير. أما لو قد افترضنا أنهم قد توجهوا ومنذ البداية إلى أساليب المجتمع المدني وأدواته في التعبير والنقد والتغيير لتغيرات لا محالة وسائلهم وغاياتهم. وليس العنف من الزاوية التاريخية من ابتكار أو مقصورا على الحركات الإسلامية الأصولية، فكل الحركات التي تتوجه إلى الدولة مباشرة لتغيير المجتمع تتخذ من العنف الفردي والجماعي والإنقلابات العسكرية والمليشيات نهجا وفكرا والأمثلة والشواهد كثيرة.
أما لماذا تبدو الحركات الإسلامية أكثر تطرفا وأصولية، الآن على الأقل، فذلك لأن الآخرين _ القوميين والماركسيين _ وبعد تجارب مريرة قد تخلوا إلى حد ما وهم خارج السلطة عن فكرة التنظيم القائد الحاكم الواحد وتبنوا أو تبنى بعضهم التعددية الحزبية والتي تعني ضمنيا تعدد الرأي والإعتقاد والثقافات وتعني أيضا التخلي عن الأيديولوجية المطلقة (أيديولوجية كل المجتمع). أما الحركات الإسلامية فلا تزال تقف في الموقع التقليدي القديم. أما ما يضاعف من فزع الحركات الإسلامية وتشددها فإن الثورة العلمية والتكنولوجية سيما في وسائل الإعلام والإتصال إضافة إلى الإنعطاف العالمي نحو التعددية قد حول العالم إلى قرية صغيرة وأضحت لمنظمات حقوق الإنسان قوةً ونفوذا ً الأمر الذي أثار في الحركات الإسلامية إحساسا بالحصار على كل المستويات _ محليا وإقليميا ودوليا، وأنها عاجزة عن التكيف العقلاني مع تشكلات العالم وتحولاته الديمقراطية، ولم يبق أمامها من خيار سوى رفض كل العالم الذي لا يتفق معها، وأن تسير بمفردها لشق طريقها المحال. ولما كان شق ذلك الطريق ليس عبر وسائل الحوار والتفاوض وفي مناخ التكيف والتعاون والأخذ والعطاء، فكان لزاما عليها أن تشهر سلاحها في وجه الجميع، وهكذا أضحت، من وجهةنظرها، الأغلبية آبقة والأقلية (وتعني نفسها) ناجية، والسمة المميزة لها العنف. ويمكن أيضا أن يعثر على بعد آخر تاريخي يعزز ضيق صدر الحركات الإسلامية بالعالم من حولها وعجزها عن التكيف بما طرأ على القيم والمعتقدات والنظريات من تجديد كاد أن يكون شاملا، فالإسلام قد انتصر قديما بالجهاد ثم تحول الجهاد إلى غزو لتدوير الثروة وتدبير الملك-24-على يد الأمويين والعباسيين وأصبح مصدر الخلافة الإقتصادي هو الخراج (ضريبة الأرض في البلاد المفتوحة عنوة _ والغنائم والفىء والجزية من أهل الذمة، والزكاة من المسلمين). وقد كان علماء الصحابة في فترة حكم الراشدين يقومون بالإجتهاد في النص نفسة وليس فى ما لم يرد فية نص كما قد ردد كثيرا فى عهود الانحطاط ونهضت المذاهب الإسلامية السنية والشيعية بعبء الإجتهاد طوال العهد الأموي والعباسي. حينما أصيب الفقهاء بذلك العجز الوبيل وعجزوا عن متابعة تقاليد الإجتهاد وتجديد الفكر الديني وأضحت المهمة الأولى التي تواجههم هي مقاومة تردي المجتمع الإسلامي وانهيار دويلاته التي تكاثرت وتحولت إلى عصابات حاكمة وطوائف تتقاتل في حلباتها المغلقة حتي أطل الغزو المغولي وقضى على الحضارة الإسلامية في القرن الثالث عشر الميلادي _ السابع الهجري . ومنذ ذلك الحين والمسلمون يتراجعون بانتظام، ويواجهون غزوا بعد آخر من الداخل والخارج، ولم يجد ما تبقى من المجتهدين زمنا لتأمل المتغيرات التي طرأت على بنية خارطة العالم الجغرافية والإجتماعية وأن العالم لم يعد ينقسم إلى دار إسلام وحرب، وأن الإسلام قد امتد دون قتال ودون العربية إلى أفريقيا جنوب الصحراء وشرق آسيا وشبه القارة الهندية، وأن نظاما جديدا إسمه الرأسمالية قد أصبح مقياس الأشياء جميعا.

أرتبط صعود الرأسمالية تاريخيا بخروج العرب والإسلام من إسبانيا عام 1492م ومن جهة أخرى قد تقدمت الخلافة الإسلامية في تركيا بجيوشها إلى إحتلال المسلمين فى الشرق العربى 1516م وإدخالهم في ذلك النفق الحالك العازل وحجبت عنهم أنوار عصر النهضة قرابة ثلاثة قرون ثم استيقظوا على اصوات حوافر وصهيل خيول نابليون بونابارت فى حملتة الفرنسية 1789، وهكذا تضافرت عوامل جوهرية لتغيير معالم الوجود والفكر والتصورات الإسلامية تتمثل بايجاز في:
1. تفكك وتدهور الدولة والحضارة العربية الإسلامية في القرن الرابع والخامس الهجري . الأمر الذي شجع الدويلات الدينية المسحية في اوروبا لتصدير أزمتها إلى العالم العربي الإسلامي في صورة الحروب الصليبية.
2. الغزور المغولي.
3. إرتباط سقوط الدولة العربية الإسلامية في إسبانيا بخروج أوروبا من جب ظلام العصور الوسطى والدخول في عصر النهضة وفصل الدين عن الدولة وارتباط كل ذلك بنظام إقتصاديات السوق _ الرأسمالية _ الذي أضحى المجرى الذي أقلعت منه الديمقراطية التعددية المستندة على حرية التجارة.
4. تراجع الخلافة الإسلامية في تركيا من أوروبا وتوجه جيوش السلطان سليم الأول لنحو الشرق العربي واستعماره بأسم الإسلام في عشية عصر النهضة 1516م. وقد كان للتوجه العثماني سبب مباشر في عزل العالم العربي الإسلامي من عصر التنوير وإنحطاطه ودفعه إلى خارج حلبة التاريخ الحي والوعي الحضاري.
5. أضاف الغزو الإستعماري الأوروبي طينة اللازب فزاد اللاوعي تفسخا. ظل الغزو الأوروبي يبحث عن تبرير نظري وعملي لكيي خرق مبادىء الحرية والإخاء والمساواة--26- التي طرحها كهوية حضارية تميزه عن الحضارات والثقافات الأخرى فأبقى المجتمعات البدوية في المجتمع العربي خارج التاريخ واستلحق بها الجزء الحضري. إن وضع الفئات العاجزة تاريخيا أمام الفئات القادرة من المجتمع الغربي جعل الزمن يبدو وكأنه يتقدم الى الخلف، وقد جاهد الغزو الإستعماري تفكيرا وتنفيذا أن تصبح القبائل والطوائف أوكانا وأمما وحدودا. والشيىء الآخر أن الغزو الرأسمالي قد أدخل في الذهن العربي أن الخلاف بين الشرق والغرب قائم على التنافر بين المسيحية والإسلام. وإذا كانت المغالطة بينة، إذ أن المسيحية شرقية المنشأ والأصول والإسلام دين عالمي الطابع، إلآ أن المعالطة تتسق تماما مع العقل البدوي التجزيئي الذي لا يعرف غير شجرة النسب والقبيلة وديارها موطنا.
وكان لابد بعد تضافر كل هذه العوامل وتشكيلها لواقع عربي إسلامي من طراز مشوه حرمهم من نظر واجتهاد جد جديد ليتسنى لهم أن يتكيفوا دون تبعية أو إذعان، روحيا أو اخلاقيا وسلوكيا، مع محيطهم الجديد، إذ لم تعد الدولة هي الدين والثروة والثقافة والعلم تحت امرة ظل اللة فى الارض او الباب العالى فى الاستانة، ولم يعد الخراج مصدرا للثروة. ولما لم يحدث شيىء من كل ذلك وغاب النظر والإجتهاد وتجديد الفكر الديني بدأ الإسلام غريبا في هذا العالم وبدأ المسلمون وكأنهم لا يستطيعون التعايش مع غير المسلمين ومع أنفسهم أيضا، ولم تخرج الحركات الإسلامية الأصولية من دوامة تلك الأزمة ولكنها سدرت لتؤكد عبر الإحتجاج تلك الغربة والإغتراب، واختلطت لديهم الأسباب بالنتائج,.. أساليب الرفض بالدفاع عن النفس بالهجوم على الآخر، وتجمعت كل تلك المواقف والمواقع والمداخل لتعبر عن نفسها بأسلوب واحد هو العنف ورفض الديمقراطية التعددية والتداول السلمي للسلطة والمجتمع المدني. 


هوامش ومصادر
1. القرآن الكريم – انظر الآيات القرانية: - قرانا عربيا -.
2. محمد قطب – جاهلية القرن العشرين – ص 24 – دار الشروق 1978م. انظر ايضا: انظر – ابو الحسن الندوي – ص 12 - ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين – دار الشروق مصر. انظر ايضا. سيد قطب - الاسلام ومعركة الحضارة.
3. أنظر- فرانسيس بيكون – القانون الجديد – وانظر ايضا – رينية ديكارت – مقال في المنهج .
4. واجه المفكرون العرب في القرن العشرين والذين بذلوا جهدا في التساؤل وقراءة التراث تحت اضواء جديدة – تهمة الزندقة والالحاد وتعرضوا لشتى صنوف القهر الحسي والمعنوى – ابتدءا من طه حسين في كتابه الشعر الجاهلي، على عبدالرزاق – الاسلام واصول الحكم، خالد محمد خالد - من هنا نبدأ – نصر حامد ابو زيد - في النص القرآني – واخيرا – جمال البنا (الشقيق الاصغر لحسن البنا مؤسس حركة الاخوان المسلمين) - اذ أمر الازهر بمصادرة كتابه: مسئولية فشل الدولة الاسلامية في العصر الحديث وبحوث أخرى - الصادر من دار الفكر الاسلامي.
5. لابد من التفريق بين الثوابت التي لات تختلف وبين الشعائر الدينية - فالايمان بالله والنبوة واليوم الآخر - ثوابت لا تتغيرولا تتبدل وليست خاضعة لضرورات المرض، الخوف والحرب ومشقات المكان واستطاعة الجسد -: كاداء الصلاة وايتاء الزكاة وصوم رومضان وحج البيت التي تخضع للضرورات.
6. يخلط كثير من الكتاب العرب بين - المجتمع السياسي والمجتمع المدني - كمصطلحات لها دلالات دقيقة في علم الاجتماع السياسي والعلوم السياسية وبين كلمات ومصطلحات كثيرة الورود لدى الناشطين السياسيين والصحافيين مثل الدولة المدنية في مقابل الدولة العسكرية وبين دولة المجتمع – ومجتمع الدولة واضافت الحركات الاسلامية الاصولية تشويشا مفزعا حينما اضافوا – الدولة – الى اركان الاسلام الخمس (بني الاسلام على خمس) فاضحى تصورهم للمجتمع السياسي شرطا للايمان تماما كالوجود الالهي والنبوة واليوم الآخر.
7. مقابلة: المفكر الاسلامي جمال البنا – مؤلف كتاب مسئوولية فشل الدولة الاسلامية في العصر الحديث: 
سؤال من الصحافي فراج اسماعيل: ما تعليقكم علي فيام مجمع البحوث الاسلاميى بالازهر بمصاردة كتابكم الاخير مسئوولية فشل الدولة الاسلامية ؟ 
إجابة جمال البنا: 
ارفض فكرة المصادرة جملة وتفصيلا فالقرآن الكريم لم يعط الرسول وهو حامل الدعوة والمسؤول عن نشرها اى سلطة على الناس، فهو ليس مسيطرا ولا جبارا ولا حفيظا ولا حتي وكيلا عن الناس.
سؤال: ولكن الجهات المختصة تتصرف من منطق الصالح العام. 
إجابه: نحن لسنا قاصرين - الدين لم يعط الرسول وهو افضل البشر سلطة على الناس، فكيف تأتى جهة أو هيئة وتعطى نفسها سلطة السيطرة ومصادرة الأراء والوصاية عليها وتزعم ان هذا حلال وهذا حرام، كل هذا ليس من الاسلام في شيء بل جاء الاسلام ضده تماما والقرآن هاجم الاحبار واعتبر هيمنتهم نوعا من الشرك بالله) صوت الشورى – العدد (65) الاثنين 12 محرم 1426هـ الموافق 21 فبراير 2005م – صنعاء – الجمهورية اليمنية.
8. Wellhousen,The Fall of the Arabic State.
9. حول مفهوم المجتمع المغلق والمفتوح – انظر الجدل المطول بين كارل بوبر The Open Society and its Enemies. الجز الاول والثاني – 1946 – وموريس كورنفورث Markxism and Linguistic Philosophy.
10. حول مفهوم – التحديث والتغرب – راجع – اعمال مؤتمر ازمة التطور الحضاري – الكويت 1979م وعلى وجه خاص أنظر على الوردي ص 328 – صراع القيم في المجتمع العربي.
11. أضحى – مفهوم – ومصطلح الاسلام – غائما الي حد الهلامية - فالاسلام في كتابات حسن الترابي - حوارات مع الترابي – الاسلام والتحديث - الحركة الاسلامية - يعني الحركة التي يقودها حتي قبيل الانقلاب عليه من داخل حركته - فحينما يقول - هذا راى الاسلام – يعني هذا رأيه الشخصي – او هذا راي الحركة الاسلامية التي يقودها - فالترابي ظل يدامج باطلاق بين ذاته والحركة الاسلامية والدين الاسلامي - : والاسلام في الاطار الاكاديمي الغربي يشمل العقيدة والشعائر والفقه والتاريخ والثقافة وعادات وتقاليد المجتمعات العربية – لتعدد الزوجات والحجاب والعقوبات وتتابين التصورات للاسلام طبقا للطوائف والمذاهب والاقطار ومع ذلك – فالاسلام يعني بصورة عامة - الشهادة – النبوة – اليوم الاخر – اقامة الصلاة – ايتاء الزكاة – وحج البيت من استطاع اليه سبيلا.
12. عبدالسلام نور الدين – التراث والتقدم في المجتمع العربي المعاصر – الجزء الثاني – جامعة عدن – 1993م.
13. Page: 3,4,12: The Sayyid of Hadramout, London 1966. R. B.Serjent 
14. Max Webber. 
15. Max Webber. 
16. Max Webber.
17. عبدالسلام نورالدين – ص 9- الحقيقة والشريعة في الفكر الصوفي (لم يخرج الفكر السياسي السني في الامامة - تلك القضية المحورية التر دارت حولها الفرق ولم يجنحوا للسلم فيها من الثنائية والازدواج - الامامة السنية تقوم نظريا على الاتفاق والاختيار وعمليا ومنذ ان تولى معاوية بن ابي سفيان الحكم على الوراثة والنص على ولاية العهد والتعيين ويتم اللقاء بين السنه والشيعة على ارض التطبيق وان كانوا يختلفون بالرأي والسيف في النظر).
18. المصدر السابق – ص – 9 و 10.
19. - : - شورى : الصيحفه او الموادعه :
أنظر : حميد الله : وثائق العهد النبوى .
: ابن هشام – سيرة ابن هشام.
......: عبدالله بن سلام – الاموال.
......:R.B.Serjeant , Constitution of Medina.
……M.Watt: Mohamed at Medina.
20. الامام الفقيه محمد عبدالله بن قتيبه – الامامه والسياسية - تاريخ الخلفاء ج 2 – ص 32-42.
21. طه حسين – الفتنة الكبرى: ج 1 – عثمان – ص 17 –20 ، 22- 25 – 30 - طبعه ثانية – دار المعارف – مصر.
22. عبدالسلام نور الدين – ص – 19- العقل والحضارة – نقوسيا 1992م.
23. أنظر: عزيز العظمة – العلمانية / ص
24. زيد الوزير: السيكولارزمية Secularism - تنظيم علاقة او فصل علاقة – بحث للنقاش – ص 5 – 28 – المسار Al-Masar : Vol-5-Issue-3- 2004
25. أنظر: ابو يوسف ً 19 – كتاب الخراج – عبيد الله بن سلام
...... الاموال – ادم – القرشي، الحنبليى، والنابلسي .
26. عبدالسلام نور الدين ص – 129 - العقل والحضارة – طبعة ثانية نقوسيا 1992م.



د. عبدالسلام نور الدين
Department of ArabicMiddle Eastern Studies 
School of Modern Language 
University of Leeds 
UK
أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات ( تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع