أشترك في النشرة البريدية
ضع بريدك الألكتروني هنا
: ما رأيك في الموقع الجديد ؟
ما رأيك في الموقع الجديد ؟
رؤية السلطان غالب بن عوض القعيطي لحل مشكلة الجنوب العربي | وثــــائــق | الرئيسية

رؤية السلطان غالب بن عوض القعيطي لحل مشكلة الجنوب العربي

حجم الخط: Decrease font/a> Enlarge font
image

تقدم السلطان غالب بن عوض القعيطي برؤية شافيه للخروج من المحنة التي يعيشها شعب الجنوب العربي وهي تخاطب شعب الجنوب وشعوب المنطقة كلها.. رؤية جديرة بالعناية فهي تلبي تطلعات شعبنا الذي يناضل من اجل التحرر  من الاحتلال اليمني واستعادة الدولة الجنوبية المستقلة على كامل ترابها دون مساومه او وصاية من احد.. حصل "تاج" عدن نسخة منها هذا نصها: 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه ستعين والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين

رسالة للأخوة الاعزاء مواطني الجنوب العربي العزيز وابناء اليمن الميمون حول ايجاد حلول صادقة مستديمة للازمة الحالية تكمن فيها مصالح الشعبين على المدى الطويل

خير ما ابدأ به قول الله عز وجل الذي امرنا به في كتابه العزيز مذكرا ايانا: "( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  )

كما امرنا الايفاء بالحق مؤكدا بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى‏}‏ صدق الله العظيم 

يهمني ويشرفني ان احيي جميع المتخاطبين في هذه الازمة، وعلى الراس الشباب، على خروجهم وصمودهم المبرر علنا، وصبرهم الطويل على كل انواع الانتهاكات والتجاوزات، والحرمان في جميع انحاء جنوبنا العربي الغالي واليمن الميمون، داعي للجميع بالتوفيق المستمر الي ان ينال كل صاحب حق حقه الانساني المشروع، وما ذلك على الله بعزيز،

بعد عقود طويلة من المعاناة في شكل اقصى حدود القساوة في التعامل غير المنصف، والحرمان من ابسط الحقوق الانسانية ومع تجاهل كامل لما توصي به تعاليم ديننا الحنيف "بالابتغاء لأخيك ما تبتغيه لنفسك".

وبعد ملاحظة التجربة "الوحدوية" التي مرت بها منطقتنا لمدة لا تقل عن عقدين من الزمن، علينا بالاعتراف بصدق وامانة انه رغما عن التضحيات الكبيرة، بما فيها المادية، التي قدمتها كل فئات الشعب، وبالخصوص في الجنوب العربي، الا ان مفهوم "الوحدة" في هذا الحال لم يطبق على اسس تعد سليمة منطقيا وقانونيا وسلوكيا ودون مساواة بالرغم من مرور هذه المدة الطويلة، وذلك لان الشعب في الجنوب العربي لم يمنح منذ البدء ولغاية الآن حقه في التعبير عن رايه المشروع الذي لابد منه في اي شكل أو حالة من الاحوال وفقا للأساليب المعترفة بها دوليا حول امر من حجم دخول دولة مستقلة مع أخرى في مثل هذه الوحدة. اذا، فتعتبر هذه الوحدة فاقدة الشرعية، وهذا امر يجب الاعتراف به من قبل كل فرد أو منظمة او دولة تؤمن بقداسة الشرعية والقانون الدولي والانتماء اليه.

وعلى الرغم من ضآلة سكان الجنوب العربي نسبيا مقارنة باليمن، فانه اكبر مساحة واهم استراتيجيا، كما يساهم بما يقارب 85% من الدخل السنوي المركزي، المرئي منه وغير المرئي، منذ تأسيس الوحدة مع اليمن، وهذا من حاجة سكانه الماسة اليه، كما لا يصرف عليه من ذلك سوى جزءا يسيرا، وهو الذي ينفق على مسائل امنية داخلية تدعيما لتحكيم قبضة سلطان النظام الحاكم فيه، والي درجة التي تولد بين صفوف الجنوبيين الاحساس الواضح ان حكومة الوحدة المركزية في صنعاء تتعامل معهم وخيراتهم وثرواتهم بما فيها ممتلكاتهم الشخصية كفيد حرب منذ ساعة الانتصار فيما سمي "حرب الانفصال" ولغاية الان. ولقد حرم الجنوبيون من جميع حقوقهم الوطنية، دع عنك التسهيلات بما فيها ما يضمن لهم حتى ادنى وسائل العيش المتدني المستوى، وذلك مع علمهم اليقين بان لولا ان بعض العناصر الجنوبية رأت في فكرة هذه الوحدة خيرا لها، لما استطاعت الجمهورية العربية اليمنية تحقيق النصر والاستيلاء على الجنوب العربي عسكريا كما يعلم كل ذو فهم.

لذا، فان الربط بين الكيانين الموحدين بهذا الاسلوب لم يحظ بنتائج ايجابية مقبولة لان تدارك ومعالجة هذه الاخطاء التي حدثت واصبحت تاريخية لم يتم بالطرق الصادقة والامينة في حينها بتمكين اواصر هذه الوحدة. والكل يعلم الثمن الباهظ لتكاليف انشاء وصيانة هذه الوحدة الورقية والاسمية، وبـأن نظام الحكم المركزي في صنعاء في مجتمع قبلي مثل اليمن والجنوب العربي لم يسعى قط الي التعامل مع الشعبين بالمساواة، حيث ان الافضلية في جميع المجالات كانت ولا زالت تمنح لليمنيين على حساب سكان الجنوب العربي، وذلك بصرف النظر انه المساهم الاكبر في دخل الدولة المركزي، والمتمتع بمساحة اوسع بكثير من اليمن، كما بأهمية استراتيجية دولية اعلى كما ذكرنا سابقا، علما بأن هذا ما يؤيده التاريخ أيضا إلى الان.

ومن هذا المنطلق، يجب علينا جميعا الان ان نعترف دون تأخير بان الوقت قد حان لمحاسبة انفسنا بشكل فردي وجماعي، باطنا وظاهرا، دون اغفال او تجاهل السياسات والتصرفات الفاقدة الرؤية طوال فترة هذه الوحدة وما سبقتها من تجارب التي اوصلتنا إلى ما نحن فيه الان.

واذا نظرنا قليلا إلى الخلف، مع الاعتراف الكامل بالفوائد الجمة للوحدة المؤسسة على مبادئ الأخوة الصادقة والانصاف، والتي لم تنطبق قط في حالة اليمن والجنوب العربي إلى الان باي شكل من الاشكال، فالأمر الاول الذي يجب علينا ان نتذكره ونعترف به ان الجنوب العربي لم يكن جزء من اليمن ابد الدهر، وان قامت الجبهة القومية التي حكمت المنطقة بعد ذهاب الاستعمار البريطاني بتغيير تسميته على الفور لأغراض سياسية تتعلق ببرنامجها التوسعي، حيث ان الجنوب العربي كان يعد ندا شافعيا مذهبيا وسياسيا لليمن منذ اوائل قرون التاريخ الاسلامي. هذا، وعلينا ان نتذكر ايضا بان هذه الوحدة التي تمت في منطقتنا في ظروف اضطرارية غريبة كانت بين دولتين مستقلتين معترف بهما دوليا، كل لحالها، واذا هي تمت بذلك الاسلوب غير الواقعي وفاقد الشرعية، بمبرر توثيق روابط العروبة وتحقيق التخطيط التنموي التكاملي في المنطقة، فعلينا بالقول بأنه لم يتحقق شيء منه حتى بعد مرور هذا الزمن الطويل، وهو ايضا من الاسباب الرئيسية الاساسية لانفجار الازمة الحالية.

ثم إن عمل تأسيس هذه الوحدة لم يأخذ بعين الاعتبار من البداية كما ذكر رغبات الشعب المعني من قبل الطرفين القادمين على هذا الدمج، وبالذات شعب الجنوب العربي الذي كان يخصه هذا الامر بحكم ان عبء اكبر التضحيات واكثر التنازلات سوف يكون عليه. ثم أنه بهذا الاسلوب من الدمج المفاجئ، قد حرم الشعب (الجنوبي) للمرة الثانية في تاريخه الحديث من ممارسة حقه الطبيعي المشروع في التعبير عن رايه حول مصيره السياسي المستقبلي، علما بانه كان قد حرم من هذا الحق للمرة الاولى عند حصوله على الاستقلال من بريطانيا في نهاية شهر نوفمبر عام 1967م، وذلك بسبب صفقة دخلت فيها تلك الدولة مع جهة سياسية منفردة بحالها، وهي الجبهة القومية، متجاهلة الاطراف السياسية الاخرى في الساحة، بما في ذلك، مقررات هيئة الامم ايضا حول استقلال هذه المنطقة، والتي كان من شروطها الأساسية اجراء استفتاء عام تحت اشراف هيئة الامم لكي يتمكن شعب المنطقة من التعبير رأيه في اختياره للشكل الجيوبوليتيكي ونظام الحكم الذي يريده. إنما الذي وقع أنه تمت تلك الصفقة بين الطرفين لأسباب لا داعي الان في هذا الموقع للحديث عن تفاصيلها المطولة.

وخلال فترة ازمة وحرب عام 1994م، كنت اول من نبه الي الثغرات الخطيرة في تأسيس هذه الوحدة بين الجنوب العربي واليمن، كما كنت  قد اقترحت آنذاك عددا من الخطوات في شكل حلول لتغطية هذه التجاوزات التي لاحظت فيها. وكان ذلك عبر عدة مقالات، ومقابلات، ومنها على سبيل المثال الذي نشر لي في جريدة "الحياة" في جزأين في عدديها الصادرين في 31 مايو 1994م واليوم الذي يليه، ومجلة "المجلة"  م في عددها (رقم 750 في تاريخ 16 يونيو وإلى 2 يوليو) لعام م1994،وفي غيرها مثل مجلة "الوسط" (في اصدارها رقم 127 (4-10 يوليو) لنفس العام. ومن ضمن ما كنت  قد قلته في حينها إنقاذا للموقف لدى فشل الصمود من قبل الجنوب أنه يجب :

اولا: الاعتراف الصريح بوجود خلاف جدي بين الطرفين المعنيين، والبحث عن اسبابه وثم علاجه بصدق وامانة، على المدى القصير (مع وضع برنامج مفصل مدروس له للتطبيق فيما بعد في شكل حلول طويلة الاجل).

ثانيا: عقد مؤتمر وفاق عام مفتوح لقيادات وزعامات المنطقة، الحالية منها والسابقة، وعلى ان يتم ذلك في رعاية اي دولة صديقة مجاورة تكن مشاعر الخير الصادقة للمنطقة المعنية وشعبها ويهمها مستقبلها، وذلك لدراسة القضية وحسمها على غرار مؤتمر الطائف الخاص بالمسألة اللبنانية.

ثالثا: تكوين دولة "اتحادية" على اسس "فيدرالية" او "كونفيدرالية"- (وما هذه إلا بمثابة عبارات ومسميات مستوردة لا غير، لان اي وحدة جدية لا تنبثق الا من اعماق صدور الاطراف الذين سيقومون بتطبيقها، وليس من اقلام السياسيين). هذا، وعلى ان يكون لكل طرف في هذه الدولة الاتحادية علم، ومجلس تشريعي، وعاصمة، ومالية مستقلة، كما ان يكون هناك علم آخر للدولة الاتحادية، مع مجلس تشريعي اعلى، وعاصمة اتحادية متنقلة بين الدولتين المتحدتين على فترات متساوية، وعلى سبيل المثال لسنتين او اربع او خمس سنوات، وان يتم تداول رئاسة هذه الدولة بالمثل بين رئيسي هاتين الدولتين. ونقترح ان يتم انتخاب التسمية لهاتين الدولتين العضوين في الوحدة من اسماء تاريخية للمنطقة، علما بان بعض اقدم الاشارات المسجلة للتسميات التي اطلقت على منطقة جنوب شبه الجزيرة العربية تتواجد على سبيل المثال في كتاب سفر "التكوين" من "العهد القديم" (التوراة)، وذلك مع الافادة بان ابرز واقدم الاسماء المسجلة، سواء في الكتب السماوية او مصادر اخرى هي: "حضرموت" و "اليمن". ونقترح ان تكون عاصمتي هاتين الدولتين صنعاء وعدن، وان تظل صنعاء العاصمة الاولى للدولة الوحدوية وتليها عدن بعد انقضاء الفترة المتفق عليها، وثم صنعاء وبعدها عدن الخ.... وفقا للقرارات التي قد تتخذ في هذا الشأن من قبل الهيئات العليا الممثلة للشعبين.

رابعا: ان يسمح لكل لاجئ ومشرد بالعودة الي وطنه وان تعاد له ممتلكاته، او يقدم له بالمقابل تعويضا عادلا خلال فترة معقولة المدى، كما ان تفسح امامه جميع المجالات للمشاركة والعمل حسب الممارسات السائدة في اي نظام ديمقراطي حر وفقا لمعايير العدالة والانصاف المعترفة بها. هذا، وان تمنح لرؤساء الاسر الحاكمة والزعماء السابقين في الجنوب العربي ما يليق بهم من تكريم معقول يمكنهم من تحمل مسئولياتهم الاجتماعية في مجتمعنا التقليدي القبلي، ولعب دورا ايجابيا في نمو الوفاق بين جميع فئات وقطاعات الشعب، مع الاعتراف بضرورة ذلك لتركيبته القبلية والعشائرية علاوة على السماح لهم بالمساهمة في السياسة والادارة طبقا للمفاهيم الديمقراطية الناشئة والمعترف بها في المجتمعات المتحضرة المختلفة في عصرنا هذا. ومن الممكن لدول الجوار المقتدرة لعب دورا هاما في هذا الامر بالمساعدة في اشكال مختلفة بما فيها حمل العبء المالي إن ارادت.           

انما مصير هذه المقترحات التي كانت تقارب عشرة في العدد انها لم تلاق الاهتمام المنشود في حينها من قبل الأطراف المعنية، وبالذات اليمنية (نظام صنعاء)، لأنها لم تخدم مصالح أطماعه المتنامية واللامتناهية. فالذي وقع كما يعلمه الجميع أنه استفحلت الامور بين الشعبين مع مرور الزمن وسوء التعامل من طرف لطرف إلى ان وصلت إلى الحد الذي لم يعد فيه مجالا الان لقبول أي حل سوى أن يأخذ شعب الجنوب العربي حقوقه الشرعية المسلوبة بيديه ويمارسها لحماية وخدمة مصالحه مثل اي دولة مستقلة وشعب متحرر كما هو مضمون في ميثاق هيئة الامم المتحدة، وتحديد موقفه من اي كيان انتمائي، وامره في يديه.

 هذا، وعليه بالإضافة إلى أنه لم  تأخذ الجهات المسئولة عن تمثيل مصالح شعب الجنوب آنذاك في 1994م بتبن جميع البنود في مقترحاتي، وهي التي تناشد بها مرة اخرى الآن اللقاءات المنعقدة مؤخرا من قبل بعض الشخصيات الجنوبية في القاهرة، إنما بعد فوات الاوان ودون أدنى إشارة إلى مصدرها مثل ما حصل في الحالة السابقة لسبب ما، ولو من باب الامانة!

ومع التطور الحاد والخطير للأوضاع الآن، لم يعد هناك مجالا منطقيا لمناقشة طروحاتنا السالفة الذكر، كما لم يوجد هناك متسع من الوقت للمداولة والمناورة، وخاصة بعد سقوط المئات بل والاف من الضحايا منذ قيام هذه الوحدة، مرورا بحرب الاحتلال وحتى هذه الساعة، علما بان الخاسر طوال هذه الفترة من جميع النواحي بسبب هذه "الوحدة" الورقية كما ولا زال هو المواطن الجنوبي.

ولضرورة ايجاد مخارج جدية لتلافي تفاقم هذه الازمة والانزلاق إلى المزيد من الاضطرابات الخطيرة وحرب دامية أخرى في المنطقة، لا قدر الله لها ان تأكل الاخضر واليابس، وتكون لها انعكاسات وتبعات محلية واقليمية ودولية مع تأثيرها على الامن والاقتصاد الدوليين، ان الامر يتطلب منا جميعا لفت النظر الفوري الي ما يطالب به الشعب الذي يعاني، وبالذات في الجنوب العربي عبر صبره وتضحياته من اجل تحقيق حقوقه الطبيعية ومطالبه المشروعة في هذا الشأن.

وعليه، فإنني اذ ارى مطلب الساعة المعقول هو الاعتراف بجرأة استثنائية وامانة وصدق من قبل الكل بجميع الاخطاء والتجاوزات التي حدثت في الماضي في أمر تأسيس هذه الوحدة، ثم مصيرها إلى الان، وبالذات في حق شعب الجنوب العربي، والقيام بتصحيحها بالشجاعة المطلوبة والعدالة والانصاف. هذا هو ما يطالب به الشعب في الجنوب العربي بإلحاح ترجمة لمشاعر الاحساس والوعي المدرك والمؤمن بمفاهيم العدالة الاجتماعية، وممارسات الديمقراطية الحقيقية التي تحترم حق جميع الشعوب في الامتلاك والتعبير عن رايها في امورها المصيرية دون المساس بالحقوق المماثلة المشروعة للأخرين، إلى العمل والتطبيق في حال أمرها.

وفي ضوء هذه المستجدات والظروف الحرجة والملحة، انني اذ اجرؤ صادقا بمناشدة الشعب اليمني الجار بالأخذ بعين الاعتبار ما سلف مع وضع نفسه في محل اخوته في الجنوب عبر العقدين الماضيين، وان يتقدم منصفا بالاعتراف بحقهم في التعبير عن رايهم في امر مصيري كاستمرارية هذا الوضع او تعديله وفقا لرغباتهم، وذلك مع النظر والاعتراف أيضا بان هذه "الوحدة" المزعومة قد كلفت ابناء المنطقة غاليا في شكل تضحيات من جميع النواحي، مع اساءة العلاقات بالتواصل بين الشعبين الجارين عبر العشرين سنة الماضية. هذا، ويجب علينا ان نتذكر هنا ونستعين بتعاليم ديننا ونبينا الكريم صلى الله عليه وسلم التي تجعل المؤمنين اخوة، وان كانوا شعوبا وقبائل، وان ما يؤلم مؤمنا يجب ان يؤلم اخيه بالمثل.

وبناءا على ما تقدم، ومتيقنا بعد ملاحظة مصير هذه "الوحدة" المزعومة منذ البدء، وإن يكن بأنني كنت من كبار أنصارها نظريا في يوم ما، مؤمنا بأن الاتحاد السليم مصدر قوة، ومتجاهلا في ذلك الطمع والجشع والانانية التي تكمن في أنفس البشر، فان رؤيتي المدروسة لدولة المستقبل في الجنوب العربي التي بإمكانها التفاوض مع دول اخرى حول امر التكامل والتقارب وغيرهما من العلاقات هي الاتية:

1- السعي الجاد لإقامة دولة مدنية ديمقراطية ذات سيادة، مؤسسة على المفاهيم الراسخة بأن العدل اساس الملك، وان تكون عاصمتها عدن او غيرها من المدن الجنوبية المناسبة، وان تضم هذه الدولة جميع الاراضي التي نالت الاستقلال من بريطانيا في 30 نوفمبر عام 1967م، شرقا وغربا وشمالا وجنوبا.

2- دين الدولة ومصدر التشريع الاسلام اضافة الي التقاليد والاعراف المفيدة، شريطة عدم تنافيها مع مفاهيم التعاليم الدينية، مع المساواة بين جميع المذاهب, وعلى ان يتم الاستفادة عند اللزوم من تجارب النظم القائمة في العديد من دول العالم وبالذات تلك التي تعيش في بيئات ومجتمعات متشابهة ولها السبق في المجالات المعنية وبالإمكان الاستفادة منها في القطاعات المختلفة التي  تتطلبه ضرورة الحاجة والامر.

3- ان تكون اسس نظام الحكم "الشورى" بمثابة مجلس تشريعي  (أي برلمان) منتخب لفترة معقولة محددة متفق عليها وبالمفهوم ان للجميع بعد بلوغ سن معين حق التعبير عن آرائهم بالتصويت في الامور في اطار الشريعة والدستور الذي سيتم اعداده بالتفصيل لاحقا من قبل خبراء مختصين بإذن الله، وهذا مع التعزيز بأن على الشعب التمسك بالأخوة الصادقة ووحدة الصف والتصالح الوطني خالية من جميع اشكال الانانية والمصالح الشخصية على حساب الوطن وحقوق المواطنين الآخرين المشروعة، بحكم ان المؤمنين اخوة وجسد واحد وامة واحدة في ضوء تعاليم القرآن الحكيم. هذا، وعلى ان يكون مجلس الشورى في شكل مجلس للنواب من الممثلين المنتخبين من قبل الشعب بناء على كفاءتهم ولياقتهم لتمثيله. ومن اهم ادوارهم التمثيلية ترشيد الخطاب السياسي بما يتناسب مع واقع مجتمعنا وحاجتنا وفوائد شعبنا على المدى القصير والطويل، والتي تتمتع بالقبول في محيطنا السياسي والجغرافي. كما ان يكون هناك مجلس اعلى للاعيان من المراجع والرموز الوطنية التاريخية والعلمية من سلاطين وشيوخ واعيان ووزراء وشخصيات دولية سابقة، المدنية منها والعسكرية، ومناصب وعلماء وغيرهم على مستوى البلاد. وان يكون دورهم المراقبة والمراجعة للتوجهات السياسية والخطط المقدمة من قبل مجلس النواب المنتخب للتمعن فيها قبل تبنيها رسميا، وذلك مع التأكيد ان مجلس النواب هو الجهة التشريعية الاولى وصاحب الكلمة الاخيرة في جميع الحالات في اطار الدستور.

4- تأسيس والعمل بمجالس محلية - بلدية وقروية - منتخبة على مستوى البلاد وان ينبثق نمطها من اعماق تاريخ وتراث ديارنا ومتمشيا مع مفاهيمنا، وان يتم تزويدها بأحدث وانسب الانظمة والتشريعات والصلاحيات التي تتلاءم مع الضرورة لتأدية واجباتها على خير نحو لإصلاح المجتمع وتحسين المستوى المعيشي من جميع النواحي ، وعلى ان يتم الاستعانة بتعيين قوّام لمقام الدولة للمقاطعات ونواب ومحافظين للمحافظات، مع الاستفادة بمفتشين متجولين مستقلين لرعاية شئون الاقاليم والضواحي سعيا وراء تحسين مستوى ومعايير الحكم المحلي. هذا وعلى ان تتم هناك تأسيس آلية  يقظة للعب دور مراقب لأسعار الضروريات من مواد الاستهلاك الشخصي مثل الارزاق، والنفط والغاز، والخدمات الطبية والادوية، والكتب والمنشورات العلمية، والمواصلات والتنقل الداخلي، للتأكد بأنها تعد متمشية مع تكاليف الحياة بمعدل دخل الفرد العادي. هذا، وعلى ان يكون توجه التركيز من قبل الدولة على الدخل المعتمد بالأحرى على ضرائب غير مباشرة، منها الرسوم على الكماليات، والطوابع والسندات وبعض الخدمات، وعلى ان يمتثل برنامجه الاجتماعي في اولوياته على التكريس المخلص لمحاربة ومحو الفقر والمرض والجهل والفساد، مع توفير التعليم ووسائل المعارف لمحو الامية والعلاج والعناية الطبية المجانية للجميع بقدر المستطاع، وعلى ان يكون الاعتماد بالأول في تمويل كل ذلك على امكانيات ووسائل الذات قبل مد اليد امام الغير، علما بأن حتى "العمل" بحاله في مفاهيم علم الاقتصاد يعد جزء هام من "رأس المال".

5- تأسيس مجلس خاص مكون من شخصيات قبلية وخبراء لرعاية شئون القبائل ومصالحهم وتمثيلها امام السلطات والقطاعات المعنية الاعلى، وبتولية امورهم الاهمية اللائقة تمشيا مع تركيب وأهمية هذا القطاع من الشعب ونسبته السكانية.

6- تأسيس مجلس من كبار فقهاء البلاد، يرأسه مفتي الديار، لمراجعة تشريعات وسياسات الدولة لمطابقتها مع تعاليم الدين الاسلامي الحنيف.

7- تأسيس مكتب خاص مستقل بصلاحيات متلائمة لاستلام والنظر في الشكاوي الاستثنائية (ومنها التي قد تكون اخذت اجلا طويلا دون البث فيها)، وذلك للفت نظر الاجهزة الادارية المعنية إليها، والتأكد من معالجتها كما يتطلبه الامر، وذلك مع تعزيز الوعي في صفوف المجتمع بان المستضعف في نظر نظام هذه الدولة يعد مستحقا بالعناية اللائقة من قبل اجهزتها المعنية في حماية حقوقه المشروعة، حيث ان الشريعة الغراء لا تفرق بين فرد وآخر.

8- ان يكون لقب "راس" الدولة منبثقا من اعماق التاريخ والعرف والتقاليد الاسلامية واسوة بأنظمة الحكم في الدول المجاورة بحكم انه طلب الساعة الضرورية وفقا لمتطلبات الوضع الحالي في داخل البلاد ومحيطه، وذلك ايضا لتسهيل عملية تحقيق التكامل التخطيطي الاقليمي المنشود، وأيضا كأفضل وسيلة، بناء على التجارب المثبتة عبر الازمنة وفي نواح مختلفة، لتحقيق وتأمين الاستقرار السياسي والطمأنينة المتواصلة على المدى الطويل في بيئتنا الاقليمية. هذا، ويجب ان يكون هذا الراس الدستوري من اسرة تاريخية عريقة ومحترمة، ومقبولة لدى غالبية السكان، وبالمفهوم انه يرمز لسيادة ووحدة استمرارية الحكم المدني الديمقراطي الاسلامي وانظمته وتشريعاته في جميع المجالات والحالات. وعليه ايضا ان يكون ممثلا لأكبر واهم المناطق او المحافظات في الجنوب العربي من جميع النواحي، حضرموت، التي تمثل ثلثي المنطقة التي نحن بصددها مساحة، واكثرها تعدادا من حيث السكان، واكبرها بكثير كمساهم من حيث موارد الدولة، المرئية منها وغير المرئية. وعلى ان يتم ذلك مع منح كل ذو حق من الرموز وغيرها حقه التقليدي من الاعتبار والتقدير والتكريم بقدر المستطاع في مناطقهم وغيرها من ربوع البلاد وفقا للتقاليد والاعراف المعهودة والمعترف بها منذ القدم في اطار الدستور والتشريع والانظمة.

9- ونقترح ان تتم الموافقة النهائية على اسم الدولة من قبل مجلس الشورى في اجتماعاته الاولى وان يكون من رموز جذور المنطقة التاريخية المستقلة ومنذ القدم، كما ان ينطبق ذلك على الوان علمها ونوعية وتسمية العملة المتداولة وضروريات رسمية متشابهة اخرى.

10- ان تكون اهم توجهات واهداف هذه الدولة عموما الاهتمام بمصالح الفرد والاسرة لكونها اساس المجتمع، وبان المواطنين جميعا اسرة واحدة ومكملين للبعض دون تفرقة. وان يكون السعي جهدا لبناء دولة يسود فيها علنا وتطبيقا النظام والقانون والامن والاستقرار والعدالة والانصاف - وهي المكونات الحيوية الاساسية لأي تجربة حكم ناجح - مع انشاء مؤسسات تسعى جاهدة لرفع مستوى المعيشة وتحقيق الرقي الملموس والرخاء. هذا، وعلى ان تستفيد هذه الدولة المنشودة من تجارب الماضي ونتائجها السلبية، وتتجنب ما ينبغي الابتعاد عنها من اجل المصالح المؤكدة، مع تكريس مساعيها لتحقيق التقارب والتنسيق مع دول الجوار تقديرا لاعتماد سكان الجنوب العربي الكبير عليها. وعلى ان يكون من سياسة هذه الدولة العمل بقدر الامكان من اجل توحيد جميع المواقف السياسية والاقتصادية والاجتماعية مع التوجهات التربوية والدينية مع دول الجوار بحثا وراء انجاز اعلى نسبة من التكامل التنموي في جميع المجالات وفي اسرع وقت ممكن . ويجب ان يكون ذلك بناء على المفهوم اليقين ان هذه الخطوات نحو التقارب سوف تفسح المجال امام شعب الجنوب العربي المشهود له باللياقة وحسن الادارة في ممارسة التجارة واستثمار ثرواته المادية وطاقاته البشرية لتأمين المزيد من النمو والازدهار لنفسه ولغيره مع مرور الزمن وعلى مستوى فردي وجماعي واقليمي، مع الادراك بان كل ذلك لن يتيسر الا اذا توفر تأسيس البنية التحتية/ الاساسية الملائمة والمتقاربة في المستوى والمعايير مع دول الجوار بالقدر الممكن وفي اسرع مدة كما ذكر.

وبالاختصار، يجب التأكيد هنا ان من ابرز عناصر ومهام سياسة هذه الدولة المنشودة الحياد والابتعاد عن النزاعات، وتأسيس روابط الصداقة والمودة الخالصة مع جميع الدول، مع التركيز على أهدافها الإصلاحية والتنموية، والاقتراب العملي في جميع المجالات من كل الدول المجاورة كما ذكر، وبالذات تلك التي بالإمكان الاستفادة منها في أية ناحية. هذا، وان يكون التنسيق بأقصى الحدود الممكنة مع الجمهورية العربية اليمنية أيضا وذلك على اسس واضحة الرؤية والمفهوم في كل المجالات الحيوية المجدية التي تعود بالمنفعة الصادقة على الطرفين ودول الجوار، وذلك مع الاحترام المتبادل بالتساوي لحقوق الشعبين المشروعة، وأن يتم ذلك وفقا للسلوكيات الدولية المعترفة بها تقليدا وعرفا بين الدول منذ القدم في تأسيس وتحسين علاقاتها الصادقة مع البعض.

هذه مبادرة واقتراحات، مساهمة مني نحو تحقيق وضع أفضل لصالح الجميع في منطقتنا، وحسن التنسيق التكاملي من قبل دولة الجنوب العربي مع جميع دول الجوار في شبه الجزيرة العربية. وما علينا الا بذل الجهد الصادق بخالص النية الصالحة، كل وفقا لمقدراته، مع اليقين التام بان "ما تشاؤون الا ان يشاء الله" العلي القدير في حكمته. واسأل الله التوفيق للجميع في مساعيهم المخلصة المحمودة لكل ما فيه الخير والصلاح للجميع.... آمين.

                                           

**********************************************************************************

تاليا لما سلف، أود الذكر هنا بأنني صغت هذه المناشدة أو البيان والحلول المقترحة بعد متابعة ودراسة الاوضاع في المنطقة على جميع الاصعدة والزوايا في الساحات  والمجالات المعنية. وكنت اقوم، كما لازلت، بعرض الافكار المتضمنة فيها مع كل من يهمه الامر على مستويات مختلفة عند كل فرصة مناسبة، ورغما عن كل صعوبة، لا داعي الان للدخول في تفاصيها.

وانني لم ارغب سابقا ان ابادر في تعميمها تعبيرا عن الامل الصادق بأن الحلول للوضع حتما ستأتي في شكل ناتج للمساعي المبذولة من قبل من يدعون بزعامة شعب المنطقة المظلوم من جميع النواحي والمهمل من كل الاطراف، نتيجة الادراك والتمثل لحاجاته الملحة ورغباته، وكذلك المنظمات الدولية التي تبدو مهتمة بعض الشيء بعد هذا التأخير غير الاعتيادي، على انها سوف تقوم، لعل وعسى، بمعالجة جروحه ومعاناته بعد تحمله وصبره الطويل .

ومن الملاحظ إلى الان وبغاية الاسف أن جميع التطورات إلى هذا الحين التي  تعد  ناتجا لمساعي هذه الاطراف المشار اليها مع انعكاساتها السلبية على الشعب الذي يعاني، ومؤشراتها المستقبلية لما تترتب عليها من مقترحات للعمل بها وتنفيذها، لم تكن مبنية على دراسة تحليلية تاريخية للبحث في جذور هذه المسألة، بل الكارثة المتفاقمة، وذلك في وقت هي تعد الاساس لها ولفهمها وضرورية لتقديم العلاج المنشود لها – هذا من طرف، واما الجانب الاخر والاهم، فإنها تتجاهل ايضا تماما مع صرف النظر عن الادعاءات الاصلاحية وبتمثيل حقوق ومصالح الشعب، رغباته المعلنة مرارا وتكرارا  وعلى مستوى فردي وجماعي دون استثناء، ومن قبل الطفل والمسن في شأن المطالبة بحقوقه الانسانية المشروعة مثله مثل غيره من الشعوب.

وكل الذي يدور في الساحة إلى الان وخلافا للاماني والتوقعات هو السعي الحثيث والمكرر من قبل هذه الاطراف المشار اليها لتقديم مقترحات لم يكن الهدف منها معالجة الازمة صادقا بالكامل ومن الاساس وللآجل كما يتطلبه العقل والوعي ووفقا لتطلعات ابناء المنطقة الذي يعانوا, إنما هي حلول مستعجلة  وغير عملية وخالية من المنطق والحكمة والرؤية. فأن هذه المناشدة مني التي اود ان اعممها الان بعد صبر في انتظار حدوث تطورات ايجابية مجدية تجاه ايجاد حل فوري لهذه المعاناة من شعب الجنوب المظلوم والصبور لتعد انذار للجميع بان ليس للحلول المؤقتة والمرقعة مجالا ومكانا في القضايا المصيرية للشعوب، وقضية شعب الجنوب العربي في قمة هذه القضايا، وان يختار المجتمع الدولي وضميره التغافل عنها رعاية لمصالحها المؤقتة. ان ارضاء غايات مؤقتة لأطراف دولية لم تكن بحالها طلب الساعة هنا، بل لإيجاد حلول عملية طويلة المدى بدرجة اولى لهذه الازمة الكبرى التي يعاني منها شعب المنطقة منذ مدة ويتطلب  انقاذه منها. وكما هو معلوم عموما، إن لا حياة وبقاء لإنشاء اي كيان مالم يشيد على اسس متينة وراسخة وملائمة لاستجابة الطلب – والله سبحانه وتعالى ولي الحق، وهو الموفق – والعفو.

                                        

    الفقير دوما الي هدى ورضاء البارئ تعالى، وسائل الغفران،

     السلطان غالب بن عوض القعيطي

أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات ( تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع